رؤية ورأي

جهات الرقابة المالية والأبحاث العلمية

تصغير
تكبير

أصرّ المشرّع الكويتي منذ مرحلة تأسيس المنظومة البرلمانية على وجود رقابة على الأموال العامة، عبر جهة مستقلة عن سلطة الحكومة. وتبلور إصراره هذا في صياغة المادة (151) من الدستور، التي جاء فيها: «ينشأ بقانون ديوان للمراقبة المالية يكفل القانون استقلاله، ويكون ملحقاً بمجلس الأمة». ثم سارع إلى إقرار قانون إنشاء ديوان المحاسبة، وكان ذلك في العام 1964. وبعد ذلك بسنوات، أصدر قانون إنشاء جهاز المراقبين الماليين في العام 2015 لتعزيز المنظومة الرقابية على المال العام.
في الوقت نفسه، حرص المشرّع الكويتي على ألا تكون سلطة جهة الرقابة المالية مطلقة. وتجسّد هذا الحرص في مجموعة من مواد قانون إنشاء ديوان المحاسبة، ومن بينها المادة (33) التي تنص على أنه «إذا وقع خلاف بين الديوان وإحدى الوزارات او المصالح او الادارات او المؤسسات او الهيئات العامة بشأن الرقابة التي يمارسها الديوان، يعرض الأمر على مجلس الوزراء للبت فيه، ويُعمل بالقرار الذي يصدره هذا المجلس».
وكذلك الحال بالنسبة لسلطة جهاز المراقبين الماليين، نجد أن مجموعة من مواد قانون إنشائه تمت صياغتها لتنظم حالات الاختلاف بين رأي المراقب المالي ورأي الجهة التي يراقبها، ومنها على سبيل المثال المادة (14) التي جاء فيها «وإذا لم يؤخذ بوجهة نظر المراقب المالي، يرفع الأمر للوزير أو رئيس الجهة متضمناً الرأيين معاً، فإذا لم يقر الوزير أو رئيس الجهة رأي المراقب المالي وجب تنفيذ رأي الوزير أو رئيس الجهة مع إخطار رئيس الجهاز بذلك».
ولكن رغم حرص المشرع الكويتي على تنظيم صلاحيات وسلطات جهات الرقابة المالية، إلا أن العلاقة الفعلية بينها وبين الجهات الحكومية التي تراقبها شابتها فترات توتّر، بوتيرة وشدة تختلفان باختلاف الجهة الحكومية. ما يهمني في هذا المقال هو علاقتها بالجهات الحكومية الحاضنة والراعية للأبحاث العلمية.
فرغم قناعة الباحثين بشرعية الدور الذي تمارسه جهات الرقابة المالية، وأهمية استمراره، إلا أنهم منزعجون بشدّة من المعوقات والقيود التي يفرضها بعض منتسبي تلك الجهات على أنشطتهم البحثية والإبداعية والابتكارية، ومن ضمنها الإطالة المتزايدة للدورة المستندية المطلوبة لصرف الدفعات المالية، والتمادي في ممارسة صلاحياتهم إلى درجة المشاركة أحياناً في إدارة الجهة الحكومية التي يراقبونها. وحسب ما وردني من بعض الزملاء، هناك مراقبون ماليون طلبوا تزويدهم بنسخة من بحوثهم العلمية التخصصية، كما اشتكى بعضهم من غلظة بعض منتسبي جهات الرقابة المالية، وتجاوزهم حدود اللياقة في المخاطبة والتعامل. باختصار، بعض المراقبين الماليين على الأنشطة البحثية تقمّصوا دور ضبّاط يحققون مع «متهمين» في قضايا تعدّ على المال العام. وبلا شك، هذه الأمور أضرت كثيراً بالأنشطة والسعة البحثية في الكويت.
هناك مكانة اجتماعية عالمية مرموقة للباحث العلمي يجب أن تُراعى حتى يتمكن الباحث من أداء دوره بالكفاءة المأمولة، تماماً كما هو الحال بالنسبة للقضاة وغيرهم من شاغلي المناصب الحساسة. فلا يجوز هتك تلك المكانة على خلفية وجود إشاعات أو شبهات فردية وإن تعددت. وهذه بالطبع ليست دعوة للسكوت عمن يثبت فساده من بينهم.
العلاقة بين الجهات الحاضنة والرّاعية للأنشطة البحثية وبين جهات المراقبة المالية تحتاج إلى ترشيد مستمر، ولذلك أقترح أن تشكّل لجان مشتركة بين الطرفين، تُعنى بمتابعة وضبط التناغم بين احتياجات الباحثين ومتطلبات المراقبين، وتحديد «طبيعة ونطاق» الرقابة المالية، أسوة بالمنهجية المتّبعة في عددٍ من الجامعات الغربية كجامعة ساوثهامبتون البريطانية... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي