وقّعت الكويت والسعودية في الأسبوع الماضي اتفاقية ملحقة باتفاقيتين، هما اتفاقية تقسيم المنطقة المحايدة واتفاقية تقسيم المنطقة المغمورة المحاذية للمنطقة المقسومة، وكذلك وقّع الطرفان مذكرة تفاهم حول استئناف العمليات المشتركة لإنتاج النفط في المنطقة المقسومة.
كما جرت العادة في نشر الأخبار وتغطية الأحداث في الكويت خلال السنوات الأخيرة، وصلنا نحن المواطنين خبر الاتفاقية ومذكرة التفاهم من خلال موجات من الرسائل المزعجة المحبطة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي مقدمها تويتر والواتساب. ولكنني - وكثيرون مثلي - حصّنت نفسي من تلك الرسائل إلى حين بث تفاصيل الاتفاقية من مصادر إعلامية ذات مصداقيّة أعلى.
بعد الاطلاع على تغطية وسائل الاعلام الرسمية للاتفاقية الملحقة ولمذكرة التفاهم، تبين لي وجود شأنين جوهريين فيهما. الشأن الأول هو أن مذكرة التفاهم قد تم توقيعها من أجل تسهيل تنفيذ الاتفاقية الملحقة، التي بدورها أعدّت ووقّعت لمعالجة الأمور الاختلافية التي تسببت بوقف العمليات المشتركة لإنتاج النفط في المنطقة المقسومة، على مرحلتين ابتداءً من عام 2014. وأما تقسيم المنطقتين المحايدة والمغمورة فقد تم سلفاً من خلال اتفاقية تقسيم المنطقة المحايدة التي تم توقيعها في عام 1965، واتفاقية تقسيم المنطقة المغمورة المقسومة الموقعة في عام 2000.
الشأن الثاني هو أن هوّة الاختلاف بين وجهتي النظر الكويتية والسعودية حول المنطقتين المقسومة والمغمورة كانت واسعة، وأن المباحثات بين الشقيقتين كانت معقّدة ومتعددّة القنوات، وكانت إحدى أبرز محطّاتها الزيارة القصيرة - استغرقت ساعتين - التي قام بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الكويت في سبتمبر 2018. المراد أن كلا الطرفين قدما تنازلات من أجل تعزيز الاستقرار الإقليمي الضروري لتنفيذ خططهما التنموية الاستراتيجية، التي تتضمن جلب الاستثمارات الأجنبية.
المكسب الأبرز في الاتفاقية الملحقة هو الاتفاق على مفهوم السيادة الشاملة الكاملة لكل من الطرفين على أراضيه في المنطقة المقسومة، حيث أكّدت الاتفاقية صراحة على أن يكون الحد المُنصّف للمنطقة المحايدة جزءاً من خط الحدود الدولية بين الكويت والسعودية، ويمارس كل طرف سيادته «الكاملة» على الجزء التابع له، وكذلك الحال بالنسبة لخط تقسيم المنطقة المغمورة المحاذية.
العلامة الأبرز في مذكرة التفاهم هي تطور العلاقات الكويتية السعودية، حيث توافق الطرفان على الشراكة المتساوية في ملكية مرافق التصدير المملوكة حاليا لشركة شيفرون العربية السعودية، على غرار شراكتهما في مرافق الخفجي، على أن يحدد سعر الصفقة لاحقاً وفق تقييم تعدّه ثلاثة بيوت خبرة، تختار كل من شركة شيفرون العربية السعودية والشركة الكويتية لنفط الخليج بيتي خبرة عالميين متخصصين، اللذين بدورهما يختاران بيت خبرة عالميا ثالثا. وكذلك اعتمد الطرفان مبدأ التحكيم لدى ثلاثة بيوت خبرة عالمية - بآلية الاختيار نفسها- في تقدير التعويض الذي يجب أن تدفعه دولة الكويت لشركة شيفرون نظير انتقال مقرها من الزور إلى موقع في السعودية.
وأما الشخصية الأبرز في الفريق المفاوض فهو السفير مجدي الظفيري، لكونه يمتلك مقومات تؤهله لدور مستقبلي أكبر. فهو سفيرنا السابق في إيران ولديه علاقات متميزة مع القادة الإيرانيين. وفي الوقت نفسه عزز علاقته مع القيادة السعودية من خلال عمله كرئيس لجنة الحدود في مفاوضاتنا الأخيرة معهم. المفاوضات التي انتهت بتبني مبدئي الشراكة في المشاريع النفطية والاحتكام إلى بيوت خبرة عالمية في القرارات الفنية المالية.
لذلك يمتلك الظفيري عصاً سحرية قادرة على مضاعفة الاستقرار الإقليمي من خلال محاكاة التجربة الكويتية السعودية الأخيرة، في مفاوضات ثلاثية مأمولة بين الكويت والسعودية وإيران حول حقل الدرّة النفطي... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».