رؤية ورأي

أسيري والربعي

تصغير
تكبير

بعد ساعات قليلة جداً من إعلان صدور المرسوم الأميري بتعيين أعضاء الحكومة الجديدة، الذي تضمن تكليف الدكتورة غدير أسيري بحمل حقيبة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي تغريدة قديمة منسوبة لها تتضمن رأياً معارضاً لتدخل قوات درع الجزيرة في الأحداث التي شهدتها مملكة البحرين في بداية العقد الحالي. وأعقب ذلك هجمة برلمانية من قبل عدد من النواب المعترضين على اختيارها ضمن التشكيل الحكومي، ومن بينهم من هدد بتقديم استجواب لرئيس الحكومة إذا أدت الدكتورة اليمين الدستورية أمام مجلس الأمة.
النائب محمد المطير كان أول وأشد المعترضين على تكليف أسيري، حيث هدد رئيس الحكومة بتوجيه استجواب له محوره تعريض البلاد والعباد للخطر.
وكعادته، خلط المطير العديد من الملفات من أجل تعزيز موقفه السياسي. فإلى جانب تحذيره من تبعات ضم صاحبة التغريدة في التشكيل الحكومي على مصالحنا الاستراتيجية مع دول الخليج وخاصة السعودية والبحرين، تساءل المطير عن سبب عدم محاسبتها كما تمت محاسبة وملاحقة باقي المغرّدين. الجدير بالذكر أن المطير من المعترضين على تقييد الحريات، ورئيس الحكومة الحالي كان وزيراً للخارجية على مدى تسع سنوات منذ أكتوبر 2011 إلى حين تكليفه برئاسة الحكومة الحالية، أي أنه قادر على التشخيص الدقيق لأثر تلك التغريدة القديمة - المنسوبة للمواطنة أسيري - على العلاقة الأخوية مع دول الخليج العربية.
من جهة أخرى، أعرب كل من النائبين محمد هايف والدكتور عادل الدمخي عن اعتراضهما على تكليف أسيري، وطالبا رئيس الحكومة بتصحيح الخطأ الفادح قبل القسم. كما اعتبر النائب أسامة الشاهين أن «توزيرها محل استفزاز لا استقرار، وسبب تصادم لا تعاون».
لا أعتقد أن رئيس الحكومة سيستجيب لتلك التهديدات المحلية، لأنه كان يعلم جيداً - عند اختيارها - أن النوّاب الإسلاميين سيعترضون عليها. فقد سبقها في حملات مشابهة العديد من الوزراء الليبراليين الذين كلّفوا بحمل حقائب وزارية حيوية بالنسبة للتيارات الدينية. والمرحومان الشيخ سعود الناصر وزير الإعلام الأسبق والدكتور أحمد الربعي وزير التربية والتعليم العالي الأسبق مثالان بارزان على نهج البرلمانيين الإسلاميين تجاه تلك الفئة من الوزراء. المراد أن التغريدة القديمة ليست سوى قميص عثمان، فقد تعرّض لذات الحملة ابن الأسرة الحاكمة والشاب الثوري الذي أدين بالمشاركة في محاولات تفجير مجلس الأمة ووزارة الداخلية في الستينات من القرن الماضي.
لست ممن تفاعل مع أطروحات الدكتورة غدير أسيري في حملتها الانتخابية عام 2016، لكونها تنظيرية بعيدة عن الواقعية وتشوبها بعض التناقضات. ولكنني حريص اليوم على تشجيعها على الاستمرار في احدى دعواتها التي أطلقتها في حملتها الانتخابية، وهي الدعوة إلى تبني «الدولة المدنية»، وذلك من خلال قراراتها وأنشطتها في الوزارة الواسعة المتشعبة وفي مجلس الوزراء.
بلا شك السير في هذا الطريق شائك ويحتاج إلى فهم واستيعاب عميق للمشهد السياسي والواقع الاجتماعي، وإلى التفاعل بحصافة معهما. لذلك ما زلت أستبعد أن يكون إغلاق الدكتورة حسابها في «تويتر» من باب التخلّي عن مبادئها وأطروحاتها من أجل صون كرسيها الوزاري، وما زلت أحتمل أنه كان من أجل نقل المواجهة مع التيار الديني من جبهة الفضاء الافتراضي إلى أروقة الوزارة ومجلس الوزراء.
وحتى لا تقع في الحفيرة الطائفية نفسها التي وقع فيها وزراء شيعة قبلها، أدعوها إلى التمسك بمصلحة الوطن العليا ولو كانت على حساب صورتها في الفضاء الإلكتروني، وألّا تلجأ إلى حرمان الكفاءات في وزارتها من أجل تحصين نفسها من تهمة الطائفية... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي