علي محمد الفيروز / إطلالة / حذاء الزيدي

تصغير
تكبير
لم يتوقع الصحافي العراقي مراسل قناة «البغدادية» منتظر الزيدي أنه سيشغل العالم بأسره على فعلته، وانه سيغيب عن أهله طويلاً، وسيكلفه ذلك كثيراً حينما رشق حذاءه باتجاه الرئيس جورج بوش، وتلفظ عليه بألفاظ غير لائقة في مؤتمره الصحافي والختامي في العراق، فالرئيس بوش لم يصب بأذى ولكن الرمية، التي سماها الزيدي «قبلة الوداع»، كان لها أثر سلبي كبير، رغم أن الاعتذار لبوش قد جاء في اللحظة نفسها من قبل بعض الاخوة الصحافيين العراقيين المتواجدين هناك، إلا ان قناة «البغدادية» التي يعمل فيها الزيدي مراسلاً، لها وجهة نظر أخرى كونها تعارض الوجود الأميركي في العراق بشدة، وقد قامت بحملات عدة معادية للسامية، ونلاحظ من خلال حادثة رشق الحذاء لم يسلم الرئيس بوش من الانتقادات اللاذعة على جميع مستوى العالم، إلى أن وجد نفسه مضطراً بالتعليق فقال: «انه أغرب ما شاهده خلال فترة رئاسته»! وان حادثة الحذاء قد ذكرته بحادثة متصلة أخرى جاءت من متظاهرة من حركة «فالونغونغ» المحظورة في الصين حينما صاحت امرأة بأعلى صوتها عند استقباله للرئيس الصيني هو جينتاو، وكان أمام البيت الأبيض، مبيناً انها لحظات غريبة في حياته، بينما لو تنظر للحادثة فهي من اللحظات الأكثر غرابة، خصوصا حينما يتطوع نحو مئتي محام عربي وأجنبي بينهم أميركيون أبدوا استعدادهم للدفاع عن الصحافي الزيدي من اللحظة الأولى، وتشكيل هيئة دولية للدفاع عن حقوق الزيدي من دون أي أتعاب، مستندين في دفاعهم على أن غزو العراق غير مشروع، وأن مجيء الرئيس بوش إلى العراق كمحتل كان يجب أن يقاوم! لذلك نرى في الوقت الحالي تفاوت ردود الأفعال في العالم ما بين متضامن مع الزيدي ومدين لأسلوبه في التعبير، في حين طالب بعض القنوات العربية بالافراج الفوري عن الزيدي تماشيا مع منهج الديموقراطية وحرية التعبير التي تنادي بها الحكومة العراقية والولايات المتحدة، فضلاً عن ظهور بيان لقناة «البغدادية» تحذر فيه من اتخاذ أي إجراء غير إنساني ضد الزيدي، وان أي إجراء إنما يذكر بالتصرفات التي شهدها العهد الصدامي البغيض، كما أكدت على انها لن تتخلى عنه بأي حال، ومن خلال ردة الفعل العكسية للحكومة تظاهر المئات من الشعب العراقي في العراق بينهم مختلف العشائر العربية مطالبين بالافراج عن الزيدي، ووصفوه بأنه وطني، وسمي بـ «أسد الرافدين»، وهناك مصدر مقرب للزيدي يؤكد انه تعهد قبل سبعة أشهر بالتعرض للرئيس بوش إذا سنحت له الفرصة، هذا ويعتبر الزيدي من المناهضين جداً للأميركيين وأستغرب هنا حضوره للمؤتمر!
ان تظاهرات الحذاء تتفاعل، ومظاهر التأييد أصبحت تتفاقم أكثر إلى أن أخذت بعداً سياسياً اجتاح العراق ممثلة في بعض الدول العربية والغربية، بل ان تداعيات هذا الحدث الغريب قد احتلت صفحات واسعة من الجرائد العربية ولا تزال تتداول، والسؤال هنا: هل سيحال الزيدي إلى القضاء ليتم التحقيق معه بصورة علنية يوما ما، أم ان اعتقاله وهو بعيد عن أهله يمثل عقوبة مبدئية له ولأهله؟ هناك تحليلات أجنبية تؤكد أن ما قام به الزيدي يعبر عن مدى غضب العالم الإسلامي إزاء الإدارة الأميركية على الرغم من «غرابة الفعلة»! إلا أن الدعم العربي الذي ناله من البعض يؤكد مشاعر بعض العرب والمسلمين تجاه هذه الخطوة، وهي بالتأكيد خطوة نحو نشوب انتفاضة جديدة تعبر عن الرفض العراقي الصريح تجاه المشروع الأميركي! ومن خلال هذا الحدث نلاحظ أيضاً ظهور سياسيين وإعلاميين عرب من جميع العواصم العربية يطالبون الحكومة العراقية بالافراج عن الصحافي الزيدي، غير أن الحكومة العراقية اعتبرت رشق الضيف بالحذاء عملا منافياً للآداب، ومخالفاً لتقاليد الضيافة العربية الأصيلة، ومن ثم يسيء لصورة الشعب العراقي المسالم والمحافظ على العادات والتقاليد، وفي الوقت نفسه، هناك الكثير من العراقيين ممن يختلفون مع سياسة الرئيس بوش داخل العراق ولكنهم لا يتفقون مع هذا التصرف الأحمق لأنه تصرف غير حضاري على الاطلاق... والجميع عبر بأن هناك طرقا أخرى للتعبير عن ذلك الاختلاف.
هذا وقد شهد البرلمان العراقي جدلاً واسعاً وحالة من الفوضى داخل البرلمان بسبب طرح أعضاء البرلمان موضوع الزيدي، فانقسم النواب بين مؤيد ومعارض، من خلال النقاش حول ما إذا كان يجب اطلاق سراح الصحافي الزيدي من السجن أم لا؟ وهو ما أدى بالتالي إلى تقديم رئيس البرلمان العراقي المشهداني استقالته من المجلس، في حين أكد مصدر قضائي أن الزيدي سبق له أن قدم اعتذاراً خطياً مع طلب عفو لرئيس الحكومة العراقية نوري المالكي حيث بدا متعاونا مع القضاء إلى أبعد الحدود، بيد أن الحكومة قد أكدت على لسان متحدث باسمها على انها لن تسامح أو تقبل اعتذار الصحافي الزيدي كونه أهان ضيفاً كبيراً للعراق، فلا بد أن يأخذ جزاءه حتى يكون عبرة لغيره في العراق... ويقال ان الزيدي ظل في معتقله من دون حذاء ينتعله طيلة فترة بقائه في المعتقل أي منذ لحظة خلعه للحذاء الذي رشق به الرئيس الأميركي إلى اللحظة التي طلب فيها قاضي التحقيق ارسال بعض الملابس أو أي شيء يرتديه في المعتقل.

اتهم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ان هناك شخصا معروفا في العراق يقف وراء قيام الصحافي الزيدي ويسانده حتى قام برمي حذائه على الرئيس الأميركي وهو متورط بذبح العديد من العراقيين، وهذا حسبما توصلت إليه التحقيقات بهذا الأمر، ولكنه أشار إلى انه لا يقف ضد أي قرار يصدره القضاء بحق الزيدي وقال: «إذا قرر القضاء العراقي اطلاق الزيدي فلن نقف ضد هذا القرار»، ويذكر أن الزيدي قد تعرض بعد عملية الرشق للضرب الذي أدى إلى كسر أحد أسنانه وكدمات في الوجه وخلع إحدى كتفيه، ورغم ذلك طلب من جميع العراقيين عدم تسييس «عملية الرشق».
من الطرائف التي أثارت الرأي العام مقولة وزير الخارجية الماليزي رئيس يتيم حينما امتدح الصحافي الزيدي في احتفال بذكرى مرور 63 عاماً على إنشاء الأمم المتحدة، فقال: «من وجهة نظري، هي بحق أفضل سلاح دمار شامل لزعيم ابتكر مقولة (محور الشر)»!
ومن العجائب أيضاً عرض مواطن سعودي مبلغ 10 ملايين دولار أو أكثر لشراء حذاء منتظر الزيدي الذي قذف به الرئيس الأميركي، هذا وقد فتح مزاداً مع قبيلته على اعتبار أنه «وسام الحرية وليس حذاءً»!
وفي مقابل هذه الاعجوبة دعا النائب العراقي محمد الدايني إلى اعتبار يوم رشق الرئيس الأميركي بحذاء أن يكون عيداً وطنياً للعراق، وقال: «على العراقيين أن يحتفلوا به ويضعوا صورة الزيدي على صدورهم في يوم 14 من ديسمبر، لأنه عبر عن معاناة الملايين منهم»، حسب قوله!
ومن أجمل التعليقات التي لفتت نظري في هذا السياق، رسالة تفيد أنه «سيصدر مرسوم رئاسي من البيت الأبيض قريباً يلزم جميع الصحافيين خلع أحذيتهم قبل الدخول لأي تغطية للقاءات الرسمية»!
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي