رؤية ورأي

أزمة العراقيين ومشاريع الإصلاح في الكويت

تصغير
تكبير

لا شك أن الفساد قد تفاقم وتأصل في العراق، إلى درجة أصبح يهدد أمنه وسيادته الوطنيتين، حيث يئست شرائح واسعة من الشعب العراقي من مسارات الإصلاح الديموقراطية (ومن بينها الاحتجاجات السلمية) البطيئة في التصدّي لغول الفساد، ولجأوا إلى الخيارات السريعة عبر خيار الثورة المقترنة بالعنف المتصاعد وفق سياسة «الفوضى الخلاقة» أو «الهدم البناء».
لذلك أجد أن خطورة الأزمة العراقية قد تفاقمت كثيراً، وشارفت الدولة على السقوط في الهاوية والمجهول. لأن المرحلة الأولى من مشروع «الهدم البناء» - مرحلة هدم الوضع القائم حالياً - قد بدأت فعلياً قبل أن يتم اعتماد مهندسي ومؤسسي الوضع المنشود في المرحلة التالية مرحلة البناء، رغم إدراكهم أن الأطراف الرئيسة للمشهد السياسي العراقي الحالي سيستمرون بذات المظهر أو بمظهر آخر في المرحلة اللاحقة.
الأزمة الحالية في العراق تماثل حالة مبنى جديد تم تصميمه وبناؤه بشكل خاطئ وتتم صيانته بصورة سيّئة على مدى سنوات، وقاطنوه تعبوا من تقديم طلبات الإصلاح إلى مقاولي الصيانة، ويئسوا من رفع شكاوى إلى الجهات الرسمية ضد المقاولين المتقاعسين. وفي النهاية اقتنعوا أن العديد من مشاكل مبناهم تراكمية، منشأها عيوب في التصميم وفي مصنعية البناء، فضلاً عن المشاكل التي منبعها القواعد الخرسانية للمبنى السابق البائد، التي تم استخدام بعضها كقواعد للمبنى الحالي بعد أن تم تدعيمها بقواعد جديدة. فقرروا هدم مبناهم وبناء آخر خالٍ من العيوب. وبالفعل بدأوا بهدم مبناهم ولكن قبل أن يعتمدوا تصميم المبنى البديل وقبل أن يتفقوا مع مقاول البناء الأسود ومقاولي الخدمات، الذين من المرجح أن يكونوا نفس مقاولي المبنى الذي بدأوا بهدمه، أو مقاولين جددا من ذرية المقاولين السابقين أو من أبنائهم بالتبني.
الطرف الأكثر إضراراً بسكان المبنى ليس المكتب الهندسي ولا المقاولين الفاسدين، بل السكّان أنفسهم. رغم ضعف قدرتهم على تشخيص وإدراك أبعاد المشاكل الهندسية التي يعانون منها، وعدم قدرتهم على معالجتها وفشلهم في تكليف المؤهل لمعالجتها، تجدهم متهورين في مساعيهم للإصلاح فيتبعون آراء المخادعين أو الهواة غير المتخصصين. لذلك، الخطوة الأولى في معالجة أزمة مبناهم تكمن في أن يعوا أنهم عامل أساسي في نشأة واستمرارية وتفاقم المشاكل التي يعانون منها، وكذلك الخطوة الأولى للإصلاح في العراق هي في تنوير العراقيين بأنهم ركيزة من ركائز الفساد في العراق. لذلك، عوضاً عن الجهود العشوائية والمساعي المتهورة، لابد من تبني الإصلاح المؤسسي والمنهجية العلمية في مكافحة الفساد.
نحن في الكويت، أزمتنا مع الفساد ليست بمستوى أزمة العراقيين ولا قاطني المبنى السيئ، ولكن ثقافتنا الإصلاحية مقاربة لثقافتهم. وسأكتفي هنا بعرض مثالين، الأول بشأن موافقة اللجنة التشريعية على اقتراح بقانون بشأن إعادة النظر في عدد من حالات الأحكام القضائية الباتة. للأسف هذا القانون النوعي في تطوير منظومة العدالة الكويتية لم يلاقِ الاهتمام المناسب من قبل نشطاء الإصلاح، بل كان بينهم من اعترض عليه بحجة أنه سيسمح بإعادة النظر في «قضية العبدلي»؟!
المثال الثاني مرتبط بقرار اللجنة التشريعية بعدم دستورية الاستجواب الموجه إلى سمو رئيس الحكومة، حيث استنكره الكثير من غير المتخصصين بالدستور ومن دون الاطلاع على صحيفة الاستجواب ولا على تقرير اللجنة التشريعية؟!
لا أملك رأياً تجاه الاستجواب، ولكنني أحذر من مخاطر الآراء الصادرة من هواة الدستور من دون سند أو تأسيس علمي، وأدعو إلى احتوائها ومشاريع التضليل والعبث السياسي المقنّعة بالإصلاح... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي