يصعب على السياسيين اللبنانيين، الذين يتقاسمون السلطة الآن باشراف من «حزب الله» ورعاية منه، الاقتناع بان البلد تغيّر. ما كان قبل 17 أكتوبر 2019 لم يعد قائماً. هناك لبنان آخر يولد من الثورة الشعبية المستمرة منذ أسبوعين. أي لبنان سيولد من جديد، من وجهة نظر المتفائلين؟ هل لبنان الذي سيولد من رحم الثورة قابل للحياة، من وجهة نظر المتشائمين؟
بعيدا عن التفاؤل والتشاؤم، لا مفرّ في نهاية المطاف من التعاطي مع الواقع. معنى التعاطي مع الواقع ان عهد «حزب الله» في لبنان انتهى نهاية مأسوية في غياب القدرة على إعادة ترميمه ولو موقتاً. اكثر من ذلك، ان عهد «حزب الله» الذي يوجد شبيه له في العراق ينهار هناك أيضاً. يكفي سماع هتافات المتظاهرين في بغداد للتأكد من ذلك. هؤلاء يقولون ان الثورة واحدة «من (ساحة) التحرير (في بغداد) الى بيروت».
ثمة حاجة الى تذكير اللبنانيين ببعض البدهيات التي عليهم امتلاك شجاعة الاعتراف بها. في مقدّم هذه البدهيات ان اغتيال رفيق الحريري في الرابع عشر من فبراير 2005 كان نقطة تحوّل على الصعيد الوطني. كان الهدف من تفجير موكب الحريري ورفاقه نقل لبنان من مرحلة الوصاية السورية - الايرانية الى مرحلة الوصاية الايرانية.
هذا ما نجح فيه «حزب الله» الذي تتهمّ المحكمة الدولية عناصر تنتمي إليه بتنفيذ الجريمة وذلك بغطاء من النظام السوري وعلم تام منه. هذا، على الاقلّ، ما ورد في البيان الاتهامي للمدعي العام في المحكمة المتوقع ان تصدر حكمها في القضيّة في غضون شهر.
كشفت الاحداث التي توالت منذ اغتيال الحريري وجود قرار إيراني بوضع اليد على لبنان. كانت نقطة الانطلاق الاحتلال الاميركي للعراق في ابريل 2003، وهو احتلال مهّد عمليا لتقديم العراق على صحن من فضّة الى «الجمهورية الإسلامية» التي واجهت بسبب العراق صعوبات على طريق متابعة مشروعها التوسّعي.
كان سقوط العراق في 2003، وذلك بغض النظر عن مسؤولية صدّام حسين عن هذا السقوط، بمثابة انطلاقة جديدة للمشروع التوسّعي الايراني. تطلّب ذلك، بين ما تطلّب، التخلص من الحريري نظرا الى تحوّله الى شخصية وطنية وعربية بما يتجاوز حدود لبنان. وهذا ما اثار أيضا حساسية شديدة لدى شخص مثل بشّار الأسد قبل الذهاب الى ابعد بكثير مما ذهب اليه والده في العلاقة مع «حزب الله»، الذي ليس في نهاية المطاف سوى لواء في «الحرس الثوري» الايراني عناصره لبنانية.
من البدهيات الأخرى التي لا بدّ من تذكير اللبنانيين بها انّه ليس صحيحا انّه لم تكن هناك حلول للمشاكل الحياتية التي يعاني منها اللبنانيون حاليا وذلك على الرغم من سعي النظام السوري الى جعل وزراء تابعين له يمسكون بقطاع الكهرباء. كان في مقدّم هؤلاء ايلي حبيقة. على الرغم من كلّ العراقيل التي وضعت في طريقه، استطاع الحريري إعادة الكهرباء في العام 1996.
معروف كيف عاد وضع الكهرباء الى التدهور بعد ذلك في ضوء الحرب التي افتُعلت مع إسرائيل في تلك السنة والتي كان الهدف الايراني - السوري منها ضمان انتصار بنيامين نتنياهو على شمعون بيريس في انتخابات مايو 1996. كان مطلوبا ان ينتصر بيبي على بيريس خشية عودة الحياة الى عملية السلام التي انتهت عمليا في اليوم الذي اغتال فيه متطرّف اسحق رابين في نوفمبر 1995. كان ردّ إسرائيل ضرب محطات الكهرباء في لبنان كي يعود التقنين...
ليس سرّا كيف تطورت الامور في لبنان منذ 1996 وصولا الى استهداف رفيق الحريري عن طريق انتخاب اميل لحّود رئيسا للجمهورية في 1998. كانت تلك السنة، سنة البداية الحقيقية لعهد بشّار الأسد في سورية بعدما بدأت صحّة والده في التدهور تدريجا تمهيدا لوفاته في يونيو 2000.
في كلّ ما حصل في لبنان، خصوصا منذ 2005، لم يكن هناك سوى هدف إيراني يتمثّل في وضع اليد على لبنان بعدما اصبح نظام الأسد مجرّد جرم يدور في الفلك الايراني. وهذا يفسّر مسارعة «حزب الله» الى ملء الفراغ الذي نجم عن الانسحاب العسكري والأمني السوري من لبنان في ابريل 2005. وهذا ما يفسّر أيضا سلسلة الاغتيالات التي نفذت بدءا بسمير قصير وصولا الى محمّد شطح.
كانت عملية اخضاع لبنان إيرانياً عملية مدروسة بدقّة وذات نفس طويل. شملت هذه العملية، إضافة الى الاغتيالات والتفجيرات الحلف الذي أقامه «حزب الله» مع «التيّار الوطني الحر» من اجل إيجاد غطاء مسيحي له. في ظلّ هذا الحلف، ارتُكبت أبشع الجرائم في حق لبنان واللبنانيين بدءا بافتعال حرب صيف 2006 واحتلال الوسط التجاري... وصولاً الى انتخاب مرشّح «حزب الله» رئيساً للجمهورية بعد تعطيل مجلس النوّاب سنتين ونصف سنة. كان ذلك في السنة 2016 تمهيداً للوصول الى مرحلة يمتلك فيها «حزب الله» أكثرية داخل مجلس النوّاب وداخل الحكومة.
ثار اللبنانيون على عهد «حزب الله» وليس على أيّ شيء آخر. ثاروا عمليا على عهد يديره بالفعل حسن نصرالله الأمين العام للحزب الذي انبرى للدفاع عن رئيس الجمهورية من منطلق ان لبنان ورقة إيرانية ليس الّا. ليس صدفة ان تشمل الثورة أبناء الطائفة الشيعية في الجنوب والبقاع. هؤلاء سئموا من الفساد والبؤس الذي نشره الحزب في مناطقهم.
الى جانب ذلك، لا يمكن الّا التوقف عند الثورة التي يشارك فيها المسيحيون الذين يثبتون عن طريق نزولهم الى الشارع ان الأكثرية ليست مع «التيّار الوطني الحر» الذي لم يأت سوى بوزراء ونوّاب من سقط المتاع لا يستأهل أي منهم ان يكون حاجباً عند ايّ سياسي يحترم نفسه. هل بدأت الأكثرية المسيحية تعي خطورة ان يكون «التيّار العوني» في المواقع التي هو فيها؟
في كلّ الأحوال، لبنان ما بعد 17 أكتوبر 2019 ليس كلبنان الذي عرفناه. لم يعد اللبنانيون على قناعة بأنّ «حزب الله» قادر على تسويق مشروعه الايراني تحت شعارات فارغة من نوع التصدّي لإسرائيل ولم يعودوا على قناعة بأن جبران باسيل يمثّل شيئا غير انّه ماروني آخر على استعداد لان يكون تابعا لإيران لمجرّد انّه موعود برئاسة الجمهورية.
تغيّر الكثير في لبنان. لبنان نفسه تغيّر. لا تزال الحاجة الى جعل السياسيين يستوعبون خطورة الحدث ومدى عمقه وذلك في ذكرى مرور 30 عاماً على اتفاق الطائف و50 عاماً على اتفاق القاهرة. هل من تسوية سياسية تعيد لبنان الى اللبنانيين مع بداية سقوط عهد «حزب الله»؟