واضح

لبنان والقرار الصعب منذ اتفاق القاهرة حتى الغضب

تصغير
تكبير

مرّ الجيش اللبناني باختبارات حاسمة على مدار تلك السنوات التي أكلت من صحة جسد لبنان وأورثته عللاً بات يصعب حلّها، وكان كل محك يقف أمامه هذا الجيش يجعله بين خيارين أحلاهما «حرب»! وهو الآن في هذه الظروف التي يمر بها لبنان يواجه الخيارات ذاتها، أحياناً كثيرة يكون من يتربع على سدة كرسي المسؤولية أمام خيار صعب جداً لكنه مضطر عليه، وفي الغالب فإنه سيجني فوائد جمة بعد فترة ويجنّب مجتمعه أضراراً جسيمة.
في عام 1969 يوم أن كان الهوى «الناصري» يسيطر على كل الأمة العربية، ولم يكن أحد يستطيع أن يقول لأي شيء فلسطيني: لا... منظّمة وميليشياته، حتى لو قال لك فرد فلسطيني إن الكرة الأرضية مثلّثة! فأنت مضطر لقول: نعم، لأن البديل هو أن تكون خائنا لـ«القضية» وللأمة، وقع لبنان في هذه الفترة تحت هذه «السطوة» الجائرة، بعد أن أصبحت أراضيه مسرحاً لعمليات فلسطينية ضد إسرائيل من دون مشورته أوعلمه أو موافقته، ولأن الهوى العربي - كما ذكرنا - ولأن أسهم الخيانة وُجهت لقيادته... فكان مضطراً لإرسال قائد الجيش لتوقيع اتفاقية القاهرة 1969 التي سمحت لأي قوة فلسطينية بالقيام بأعمال عسكرية ضد إسرائيل من الأراضي اللبنانية وبالتالي تملك السلاح، وكل ذلك خارج «رحم» الدولة اللبنانية، بينما لم تكن الأردن وافقت على مثل هذه الخطوة وواجهت الأمر بشبه حرب، والحال كذلك لسورية ومصر باعتبارهما دول مواجهة، إلا أن استضعاف لبنان من قبل «الغير» وبعض المطامع الانتخابية للوصول للقصر الرئاسي بشراء موافقات «الهوى العربي» آنذاك والخوف من السطوة الناصرية، كل هذا أدى إلى أن يتخلى لبنان عن جزء من سيادته لصالح الغير، وأن يُدخل في مواجهات عسكرية لا قرار له فيها أبداً... الذي وقّع اتفاق القاهرة وقتها هو قائد الجيش اللبناني!
بعض الذين أرّخوا للحرب الأهلية اللبنانية يذكرون المشورات الإستراتيجية التي كانت تُقدم لقيادة الجيش بضرورة التدخل بعد أن بدأت شرارة النزاعات المسلحة بين الفرقاء، وكان رأي «القيادة» وقتها أنه لو تدخل الجيش فسينقسم تأثراًَ بانقسام المجتمع، وربما كان هذا صحيحاً إلا أن النتائج بعد أن أحجم الجيش عن التدخل في الوقت المناسب أن انقسم المجتمع والجيش وانقسم لبنان كله على بعضه وانقسمت حتى جباله!
القرار الإستراتيجي هو القرار الصعب الذي تواجه به المجتمع مستشرفا المستقبل، متحملاً مرارته وخطورته من أجل كمّ المصالح الناجمة عنه والتي تخدم بها وطنك وشعبك، الخطأ الإستراتيجي هو أن يتقاعس «المسؤول» عن اتخاذ هذه المواجة في الوقت المناسب لتضيع بعدها المجتمعات والدول!
العبرة والخطاب ليس للجيش اللبناني فقط، مع أن الجيش في لبنان من المسلّمات القلائل التي يلتف ويجمع عليها اللبنانيون، لكن العبرة والخطاب لكل من يتمتع بمسؤولية تجاه مواطنيه... غضب الشعوب كغضب الطبيعة... لا معايير له ولا ضوابط، ولا يمكن لأحد أن يطلب من الشعوب الغاضبة ردة فعل عاقلة على أفعال وأوضاع مجنونة! هناك قرارات استراتيجية واجب على المخلصين للبلاد اتخاذها في أوقاتها اللازمة، وإلا فإننا نكرر أخطاءنا الإستراتيجية في اتفاق القاهرة وما قبل نشوب الحرب الأهلية، حين تم التفريط بالقرار الصعب في الوقت العصيب لينتج عنه ما نتج !

@lawyermodalsbti

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي