رؤية ورأي

بحوث علمية مرموقة مزيفة

تصغير
تكبير

محفزّات الأبحاث العلمية تختلف باختلاف الأكاديميين والباحثين والبيئة البحثية التي يتواجدون فيها. فهناك من يهتم بالأبحاث لشغفه بالاستكشاف والابتكار وتنمية المعرفة، أو لحرصه على خدمة البشرية بما يمتلك من مهارات علمية وإمكانات بحثية، وفي الطرف الآخر هناك من تستهويه المنافع المادية والمعنوية المرتبطة بنشر الأوراق العلمية، وبين هذين الطرفين نجد من لديهم محفزات مختلطة بدرجات متفاوتة من محفزات الطرفين. رغم التباين في محفزاتهم إلا أن جميعهم معرضون لاحتمالية تجاوز أخلاقيات وقواعد البحث والنشر العلميين، وإن اختلفوا في شكل ودرجة التجاوز، وهذا ما ثبت بكثرة الأوراق العلمية التي تم سحبها بعد نشرها في مجلات علمية مرموقة.
هناك ثلاث فئات رئيسة لأسباب سحب الأوراق العلمية المنشورة: الأولى تتضمن مخالفة ضوابط النشر العلمي مثل السرقات العلمية من منشورات الآخرين، والفئة الثانية تشتمل الشوائب العلمية من قبيل البيانات الخاطئة، والفئة الأخيرة خاصة بأخطاء الناشر. وجميع هذه الفئات تعتبر مضللة وذات تأثير سلبي على المعرفة والعلوم، مع ملاحظة أن الفئة الثانية هي الأكثر ضرراً. لذلك تحرص المجلات العلمية وجهات النشر العلمي المرموقة على سحب الأوراق العلمية المنشورة التي يثبت زيفها.
في دراسة حديثة نشرت في مجلة (British Journal of Clinical Pharmacology) تم الإشارة إلى أنه تم سحب 2047 ورقة علمية خاصة بالأبحاث الطبية الحيوية وعلوم الحياة، من بين الأوراق العلمية التي تم نشرها في الفترة التي تمتد من مايو 2012. وجاء في الدراسة أن 53 في المئة من حالات السحب كانت بسبب سوء السلوك البحثي أو الاحتيال البحثي. كما صدرت تقارير عن حالات سحب بعد اكتشاف شواهد على تلاعب في الإبلاغ عن الآثار الجانبية لبعض الأدوية. المراد أن الفساد البحثي شمل جميع مجالات العلوم، وتبعاته السلبية تجاوزت الاضرار بمصداقية العلوم والمعارف وبنزاهة منظومة البحث والنشر العلميين، وطالت صحة الانسان.
الدراسات تبين أن الأوراق العلمية التي تم سحبها تضمنت باحثين وأكاديميين من مختلف دول العالم، الكويت من بينها، وشملت أوراقا علمية شارك في تأليفها منتسبون إلى مؤسساتنا البحثية والأكاديمية الحكومية كمعهد الأبحاث وجامعة الكويت وهيئة التعليم التطبيقي، مع تأكيدي على أن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع المؤلفين المشاركين في تلك الأوراق العلمية مدانون بمخالفة قواعد النشر العلمي أو بالاحتيال البحثي. المراد أننا يجب أن نكون أكثر حرصاً على الجودة والمصداقية في أنشطتنا البحثية وفي منشوراتنا العلمية.
ضبط جودة النشر العلمي في الأوراق العلمية المكتوبة باللغة الإنكليزية أمر يسهل ضبطه وتقنينه، وذلك لعوامل عدة من بينها أن المجلات العلمية التي تنشر باللغة الإنكليزية تتميز في مجملها بتوافر مؤشرات لتصنيف جودتها ومتانتها، وأدوات لقياس نسبة الاقتباس في منشوراتها، وشبكة واسعة من المحكمين العلميين المرتبطين بها، ومجموعة كبيرة من دور النشر المرموقة، التي لا تكتفي بمنهجية تدقيق حازمة قبل النشر، بل تتبعها بإجراءات حاسمة تجاه الأوراق المنشورة التي يثبت زيفها.
في المقابل، هذه الإمكانيات غير متاحة للأبحاث المنشورة باللغة العربية، وبالتالي هي الأكثر حاجة للتنظيم في المجتمع الأكاديمي والبحثي الكويتي. لذلك أدعو مؤسسة الكويت للتقدم العلمي تنظيم فعاليات من أجل اصدار قائمة بالمجلات العلمية العربية التي توصي بالنشر من خلالها... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي