قيم ومبادئ

قلب الحقائق

تصغير
تكبير

الدنيا دار ابتلاء وفتن، والكيّس من تحرَّز لدينه وتحفَّظ لنفسه، حتى لا تغشاه، ولكي ينجوا منها. ولقد استطال بنا الزمان، حتى انقلبت الموازين وزُخرف الباطل ليشيع بين الناس واختلطت الأمور، فتصدى المشهد السياسي والإعلامي أمثال هذه الأصناف فتعقدت الأمور.
فالكاذب الذي يَتحاشاه الناس ويمقتونه، أصبح اليوم مصدقاً مقبولاً متبعاً وله ملايين الأتباع! والصادق أصبح ممقوتاً مذموماً محارباً، والخائن الذي يبتعد عنه الناس ولا يؤتمن على دينار أصبح أميناً للخزانة! والأمين الذي يؤتمن على القنطار ويؤديه إليك كاملاً أصبح ملاحقاً بتهمة محاربة الفساد! وهذا كله من خداع الدنيا للبشر، فالكذب والخيانة أصبح كل منها شعاراً من شعارات السياسي المحنَّك الذي يقلب الحقائق في المفاوضات!
ومن تضييع الأمانة ما نراه اليوم كاتخاذ الجُهَّال علماء عند موت كبار العلماء، فأصبحت الأمة كالجسد المريض الذي اشتد به المرض فوصل إلى حال لا يعرف الحق ولا يستطيبه بل يقبل الخبيث ويستسيغه، حتى قام فينا الرجل التافه الرذيل العاجز الذي رَبَضَ عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها ونطق في السياسات العامة وكيفية التخلص من المشكلات! وما نطق الروبيضةُ إلا لفساد أديان الناس وتغيُّر أماناتهم، وأعان الرويبضة على فعله أولئك الذين قال عنهم النبي صل الله عليه وسلم ( خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ ويقولون ما لايفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون)، وهؤلاء يشهدون بالباطل لكل مبطل، وهذا يدل على قلة اكتراثهم وعلى مسارعتهم وانعدام خوفهم من الشهادة، والشهادة ليست بالأمر السهل حتى يسارع بها الإنسان ولو لم تُطلب منه وقوله: (ينذرون ولا يوفون) هذا يدل على قلة الدين فيهم، لأن النذر عهد مع الله، فانعدم فيهم الصدق حتى مع الله تعالى. ويظهر فيهم السمن وهذا يدل على قلة مبالاتهم بالوضع العام للأمة الإسلامية مع كثرة الجراح والقتل، والسرقة، والكذب، والخيانة، ولكنهم مع هذا تجد لهم إقبالاً على الملذات من الطعام والمشارب وصارت هي غايتهم، ولا همّ عندهم سوى هذه البطون، فيأكلُ بِشَرَهٍ ولا يحتاجُ إلى كل هذا الأكل حتى يظهر فيه السمن.


كيف يكون الإصلاح:
يرى العلماء أن واجب السعي على الإصلاح يتحتم في هذه الحال - لا سيما مع شدة غربة الدين - ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع التزام الإحسان في القول والعمل في خاصة نفسه، ولا يسعه تركه حتى وإن استقر في ظنه أنه لا يفيد ذلك لأن الذكرى تنفع المؤمنين، قال تعالى: (مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ )
وإذا جرى الحديث عن تأثير الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو عدم تأثيره على الناس، فالحقيقة هنا أنه وإذا قام بهذا الواجب شخص أخلص دينه لله تعالى ورجا ما عنده، فلا بد من أن فعله ينكأ في قلوبهم وإن كانوا لا يظهرون ذلك، وإذا أهمل السعي بالمعروف بحجة عدم جدواه تقطعت أسباب الرجاء عن الإصلاح وهلك الجميع للحديث الشريف: (أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال نعم إذا كثر الخبث). كما أنه لا يصح بناء الحكم الفقهي على التأثير وعدمه، لأن التأثير وعدمه أمر غير ظاهرأحياناً وغير منضبط.
الخلاصة:
العاجز عن الأنكار بلسانه بسبب الجهل الذي يُعذر به صاحبه أو عدم القدرة باليد فلا مؤاخذة عليه إن بقىَ قلبُه منكراً لهذا المنكر ولو كثُر. قال رسول الله صل الله عليه وسلم: «فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ». رواه مسلم، وهذه هي الحقيقة.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي