في الخامس من يوليو عام 1993، نشرت مجلة نيويوركر الأميركية، رسماً كاريكاتيرياً ساخراً، للرسام بيتر شتاينر - الذي لا أعرف بالتحديد ما الذي تعرض له لكي يرسم في ذلك الوقت البعيد هذه الرسمة - الكاريكاتير كان عبارة عن كلبين «أعزكم الله» أحدهما يجلس على كرسي أمام جهاز كمبيوتر يكتب شيئاً ما لأحدهم، وفي الوقت نفسه يتحدث إلى كلب آخر يرقد على الأرض مُستمعاً، قائلاً له التعليق التالي:
- على شبكة الإنترنت، لا أحد يعرف أنك كلب!
هذا الرسم الكاريكاتيري أُعيد نشره آلاف المرات، حتى أصبح الكاريكاتير الأكثر نشراً على الإطلاق.
اليوم في 2019 تمثل الهوية الرقمية مفهوماً جديداً نسبياً، لذلك ليس هناك سابقة حقيقية يمكن تتبعها في ما يتعلق بدمج التكنولوجيا في حياتنا اليومية وسبل التمييز بين شخصياتنا على الإنترنت وشخصياتنا الواقعية خارج الإنترنت، إننا نعيش ضمن عملية لم تظهر تجلياتها بشكل واضح بعد، نعيش ضمن تعدد أشكالها وتفاصيلها نحن وأبناؤنا وزوجاتنا ومن يحيط بنا ولكن إلى الآن لا يمكننا إصدار أحكام أو تكوين قناعات صلبة، حول تشابك هويتنا الرقمية وهويتنا البشرية.
التنمر الإلكتروني إحدى سلبيات هذه الثورة، وتشتمل في بعض صورها على اتهامات باطلة للتشهير بالأشخاص ووضع الشخص موضع سخرية في المنتديات الإلكترونية واختراق أو تخريب مواقع لشخص ما، ونشر أقوال كاذبة كوقائع تهدف إلى تشويه سمعة أو إهانة الشخص المستهدف، وقد أشارت مجلة البحوث النفسية والاجتماعية للفضاء الإلكتروني إلى تقارير حول الآثار الحرجة التي تصيب من يتعرضون للتنمر الإلكتروني، وتمثلت في انخفاض احترام الذات، الوحدة، خيبة الأمل، وعدم الثقة بالناس، وكان أكثر الآثار مبالغة فيه هو إيذاء النفس.
إن وضع فيديوهات الناس والسخرية منهم بأشكال مختلفة من دون موافقتهم، أو تصويرهم ونشر صورهم وعرضهم كمادة ساخرة، أو النقد الجارح في مواقع التواصل بحثا عن خلق موضوع أو جلب تعليقات أو تصوير الأطفال أو الأبناء واستغلالهم تجارياً، ورصد تحركاتهم من دون وضع الاعتبارات التي تضع في حسبانها وعيهم واختياراتهم ومدى رغبتهم في حدوث حالة الرصد والتوثيق المؤرشفة لهم عندما يكبرون، كل هذا في رأيي الشخصي يعتبر تنمراً إلكترونياً بشكل أو بآخر.
لا أدعي أن ظاهرة التنمر الإلكتروني عندنا فقط، ولكنها ظاهرة عالمية تثبت أن التعليم لا يكفي لجعل الإنسان إنساناً.
عزيزي القارئ... ستسدي لنفسك خدمة كبيرة إذا ما قررت عدم متابعة الحسابات الرقمية التي تسيء إلى الآخرين في الحياة الرقمية، وستسدي لنفسك خدمة أكبر إذا ما قررت قطع علاقتك بالتعليقات كافة التي تساهم في جعل الآخرين أكثر حزناً.
وستكون من المحظوظين جداً إذا ما قررت أن تتابع في العالم الرقمي أشخاصاً قد علمهم آباؤهم كيف يفصلون بين العام والخاص، وعن معنى البناء والهدم، وما الفرق بين أن تكون إنساناً وأن تكون كلباً لا أحد يعرف هويته؟
ولأنني اقتربت كثيراً من المنزل فيجب أن أخبرك أنه يمكن للتكنولوجيا أن تكون وسيلة وأداة للإصلاح، وكذلك يمكن لها أن تكون وسيلة لمقاومة الإصلاح.
وفي النهاية فإن الكويت ليست عالمها الرقمي المثالي والجميل، وليست عالمها الرقمي المسيء والقبيح.
قصة قصيرة:
يسير الرجل ممسكاً بالكلب الذي ينبح في ممر طويل:
الرجل يفكر: يبدو أنه جائع، أو مستاء من شيء ما، لنصبر قليلاً ونرى.
الكلب يفكر: إن كل ما ينبعث به صوتي له معنى، أما سيدي فلا يخرج من فمه إلا الهراء.
@moh1alatwan