مشهد
مائدة بلا دسم
لا أعرف إن كان البعض منكم يوافقني الرأي أم لا فأنا لا أحب السوشي ولا أعتبره طعاماً على الإطلاق، رغم أني لست متيقناً من أن الجميع قد تذوقه ذات يوم، ولكن المرجح أن معظمكم يعرف أنها وجبة يابانية تقليدية مكونة من الطحالب والرز وبعض قطع اللحم أو السمك النيّئ.
إن ظاهرة انتشار المطاعم الأجنبية في بلادنا العربية وتقديمها لمختلف أنواع الطعام الأجنبية مثل اليابانية والصينية والتايلندية والفرنسية والأميركية، قد طغت بشكل كبير على مجتمعاتنا وموائدنا، بحيث بت أخشى على المائدة العربية من الانقراض تماماً مثل أمجادنا واستقلالنا وحريتنا المزعومة.
إنه تقليد مزعج ولا أقل من أن أصفه بتقليد المتأخر للمتقدم والضعيف للقوي، وإلا بالله عليكم أخبروني ما هو الشيء المميز في أكلة السوشي حتى تحتل مكاناً مرموقاً في مطاعمنا وبكلفة مادية عالية، خصوصاً أنها وجبة لا طعم لها ولا رائحة. حين أكلتها آخر مرة «والله لا يعيدها» شعرت بأني أضع في معدتي مادة مالئة؛ وهنا لا أريد أن أستعمل بعض الألفاظ التي قد تنفر البعض مني ومن مقالي، ولكن يا إخواني «كل حزب بما لديهم فرحون» فهذا طعامهم الذي نشأوا عليه في بيئتهم تلك ولا بأس من التجربة، ولكن أن يصبح جزءاً لا يتجزأ من ثقافتنا وفي كل البوفيهات في المطاعم العربية فلا وألف لا.
فمم تشكو المائدة العربية الغنية بالأصناف اللذيذة، التي لا عد لها ولا حصر من ورق العنب المحشي والمشاوي بمختلف أنواعها، والمندي والمجبوس والكبسة والمطبق والمنسف والمقلوبة والطاجن والكشري والتبولة والحمص والفول والفلافل... إلى آخر تلك القائمة التي لن تنتهي؟!
وبتحليل بسيط لبعض السلوكيات ستجد أن فئة من الأعراب يحبون تقليد الغرب والشرق، ليقال عنهم بأنهم متطورون ومن أصحاب الحداثة والإتيكيت، الذي رسم قواعده الآخرون فيلبسون ثياباً غير ثيابهم، ويأكلون ما لا تستسيغه النفوس وتقبله الأمعاء فقط ليقال عنهم ما يقال، ويضعون أنفسهم في مرتبة مختلفة عن بقية المجتمع. ولكن ولأجل الحق والإنصاف فإن البعض يحب التنويع والتغيير ويمتلك خاصية تذوق أنواع الطعام المختلفة على أنواعها الشرقية والغربية، وهم ينطلقون من منطلق أن الحضارة لا تنشأ إلا باندماج الثقافات المختلفة، ولهم كل الحق في ذلك ولا نستطيع إلا أن نؤكد صحة رأيهم. ومن أشهر الأمثلة على هذا أكلة البرياني العربية ذات الأصول الهندية، مع اختلاف كمية البهارات وبعض التفاصيل الصغيرة التي أعطتها الصبغة العربية الأصيلة.
إلا أنني ورغم ذلك ما زلت أكره «السوشي والموشي والبوشي»، وأفضل طبق الجبن النابلسي المقلي على كل أنواع الأطعمة الأميركية والأوروبية والآسيوية، إذ لماذا يجب أن آكل الستيك بالدم وهو نصف ناضج كأني أسد أو نمر مفترس، بينما أستطيع أن أتناوله كامل النضوج مع قليل من الخضار المسلوقة وخبز الطابون، وليس الخبز الفرنسي المتحجر.
وحتى الزهرة «القرنبيط» فقدت رصيدها أمام البروكلي الذي هو منتج غربي بامتياز فأنشد المنشدون بفوائده الصحية وتناسوا تماماً أن أرضنا العربية الخصبة تنتج الآلاف من الخضار والفواكه، التي يتمنى الآخرون الحصول عليها أو زراعتها في بلدانهم.
أما فاكهة الكيوي مثلا فلم أعرفها سوى أوائل التسعينات من القرن الماضي، وها هي ذي تغزو كل محال الخضار والفواكه، وتحتل مكانا مرموقا من مائدتنا اليومية رغم أن الفواكه العربية لذيذة الطعم متعددة الفوائد مثل التمر والتفاح والمشمش والخوخ والدراق والكرز والعنب والرقي والشمام العربي.
وطالما أن حديث اليوم عن المطبخ العربي فإنه لا بد لي أن أشكر بعض السيدات العربيات لنشاطهن الملحوظ على اليوتيوب، حين يعرضن بحرفية عالية الطبخات العربية الأصيلة مع بعض العناصر الإضافية، التي تلائم أمعاء أبناء هذا الزمان، وسلوكهن هذا سيساهم في الحفاظ على تاريخنا المطبخي وإبداع الأم العربية فيه منذ عقود مما مكنها من ترويض الرجل العربي قديما، وهو الذي كان يمتاز بالقوة والشجاعة وصعوبة المراس والعناد وكانت معدته هي البوابة التي تحوز فيها المرأة على رضاه.
إنه موضوع ذو شجون يسبب لي الأرق مع أني لست ضد دخول هذه الثقافات بلداننا، خصوصاً بعد أن أصبحت الأرض قرية صغيرة، فأنا أقدر الآخرين الذين يحترمون ثقافتهم وتراثهم ويحافظون عليه، في حين أننا نبتعد رويداً رويداً عما اكتسبناه من آبائنا وكأن مجتمعاتنا بدأت تفقد هويتها وملامحها الخاصة، حتى أصبح الجينز والـ«تي شيرت» لباس الشباب المفضل، وبدأت الدشداشة أو الثوب أو الجلابية أو القمباز في الغياب تدريجياً حتى تختفي، (وبالمناسبة القمباز هو الزي الشعبي الفلسطيني)، الذي كاد هو الآخر أن يصبح جزءاً من التاريخ.
إنها دعوة وبصوت عال جدا لكل من يقرأ هذا المقال أن نحافظ على تراثنا وتراث أجدادنا، إن كان طعاماً أو لباساً نرتديه أو لغة نحكيها، وإلا فإننا سنصبح أمة منزوعة الدسم خالية من البهارات والملح، ومسلوقة بالماء على نار هادئة.
قصة صغيرة حقيقية: بعد أن أنهيت صلاتي جلست مع أحد الزملاء الأطباء الشباب، وتبادلنا أطراف الحديث حين أخبرته أني أحب أن أسمع القرآن بصوت المقرئ عبد الباسط عبد الصمد فقال لي مستفهما: «ومن هو عبد الباسط عبد الصمد هذا؟... كان هذا نموذجاً حياً من الانسلاخ عن الثقافة العربية، وتصور فقط لو كان سؤالي عن لاعب الكرة رونالدو هل كان سيعرف الإجابة؟».