رؤية ورأي

الدخلاء على حملة إسقاط القروض

تصغير
تكبير

في الأسابيع الأولى من حملة إسقاط القروض، ناشدت الحكومة عبر مقال عنونته «إسقاط القروض» بدراسة حالات المتعثرين، لمعرفة أسبابها واحتوائها لمنع تجدّدها، وإدراك أبعادها ومعالجتها قبل أن تتفاقم أكثر وأكثر. وأشرت إلى أن حالات التعثر المالي تربك الأسر وتفككها، وإن كثر عددها تضعف المجتمع، لكون الأسرة أساس المجتمع. من بين الأبعاد التي كنت أتخوّف من تفاقمها في أزمة التعثر الحالية، هو توظيفها من قبل البعض لصالح أجندات سياسية على حساب المتعثّرين أنفسهم، تماماً كما حصل مع «البدون» إبّان «الحراك». ولذلك نقلت إلى بعض المشاركين في حملة اسقاط القروض، تخوفي من مشاركة بعض المشبوهين في الحملة. ومنشأ التخوّف هو التشابه الكبير بين العديد من الخطابات في حملة إسقاط القروض وبين خطابات «الحراك». بكل تأكيد هذه الخطابات ليست في صالح المتعثرين، بل هي ضد قضيتهم، لأن الدولة تخشى أن يكون في نجاح الحملة تقوية لأطراف مرتبطة بأقطاب «الحراك»، الذي كاد أن يضيّع الكويت. لذلك أدعو مؤسسي الحملة إلى الاستغناء عن تلك الأطراف المريبة، وإعادة صياغة رسالة حملتهم بما يتوافق مع النظام العام للدولة وبما يتّسق مع المشهد السياسي القائم. من بين الأنشطة المزعجة، ضمن الحملة الإعلامية المطالبة بإسقاط القروض، محاضرة تضليلية كانت مليئة بالمغالطات والتناقضات، تم فيها سرد تاريخ الكويت خلال المئة عام الأخيرة، ولكن في إطار شَيْطنة التجار الذين انخرطوا في السياسة، وتقبيح المشاريع التنموية العملاقة التي أنشأت بعد الاستقلال. نعلم جميعاً أن هناك تجّاراً فاسدون، ليس في الكويت فقط بل في جميع دول العالم. وهؤلاء الفاسدون يسعون عادة إلى توظيف السياسة لخدمة مصالحهم التجارية ولمضاعفة ثرواتهم. وقد يظهر الحد الأدنى من تلك المساعي في صورة دعمهم للحملات الانتخابية لبعض السياسيين الفاسدين، ومن خلال تجييرهم إعلاميين ووسائل إعلام تقليدية، أو وسائل مستحدثة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لتضليل المجتمع وتشويه صورة السياسيين الإصلاحيين. ولكن هذا لا ينفي وجود سياسيين (ومن بينهم أقطاب في المعارضة السياسية) ثبت تضخم حساباتهم وتكاثر ممتلكاتهم، ينافسون التجار الفاسدين بالممارسات الخطيرة نفسها، وبذات الدوافع والجشع. المراد أن اختزال الفساد في شريحة من المُفسدين، غالباً ما يكون من صور الصراع في ما بينهم. لست هنا بصدد الدفاع عن التجار الذين مارسوا السياسة، ولكنني أرفض تخصيص أنشطة إعلامية لشيطنتهم كمجموعة رغم وجود نسبة كبيرة من الخيرين بينهم. فهذا المرحوم محمد رفيع حسين معرفي، عضو المجلس التأسيسي، الذي ولد لأب تاجر كان يملك آنذاك سبع سفن شراعية تبحر بين الكويت والبصرة والهند، لم يشكك أحد في نزاهته المالية ولا في تجنبه استغلال عضويته.
بل إنه اشتهر بمشاريعه الخيرية في الكويت وفي العديد من الدول القريبة والبعيدة، منها على سبيل المثال إنشاء مستشفى للولادة ورعاية الأطفال بالبصرة في عام 1952، يسمى حالياً «المستشفى الجمهوري».
ومن جهة أخرى،أرفض أيضا تنظيم فعاليات الغرض منها تَقْبِيح مشاريع تنموية عملاقة - رسخت قواعد نهضة الكويت وميّزتها في حينها عن جيرانها - وعرضها كأمثلة على مشاريع نهب ثروات الكويت. أرفضه لأن في ذلك ظلما كبيرا لرجالات خدموا الكويت - من خلال تلك المشاريع - بإخلاص وأمانة أكدتها وثائق حصر الإرث بعد رحيلهم. رجال من أمثال المرحوم أحمد السيد عمر، الذي كان والده أول مدير إداري لمدرسة المباركية في عام 1911، ثم مديراً عاماً للمدرسة في عام 1915 إلى حين تقاعده في عام 1945. رغم أن المرحوم أحمد السيد عمر بدأ حياته الوظيفية كاتباً للحسابات في عام 1941 - بعد أن تخرّج في ثانوية العشار بالعراق - إلا أنه تدرّج إلى أن شغل منصب وكيل وزارة مساعد لشؤون النفط في عام 1956. وعمل سكرتيرا للجنة التنفيذية العليا التي أسسها المغفور له الشيخ عبدالله السالم في عام 1954. كما أنه ساهم في تأسيس الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية، وكان عضواً في مجلس إدارته لمدة 24 عاماً. وكذلك شغل المرحوم منصب رئيس مجلس إدارة شركة البترول الوطنية الكويتية لمدة عشر سنوات، وكان أول ممثل لدولة الكويت في «الأوبك». ورغم كل هذه المناصب الحساسة وعلى مدى تلك السنوات الطويلة إلا أن تركته كانت محدودة. في الختام، أجدد مناشدتي لمؤسسي حملة إسقاط القروض بتنقيح خطابها وتطوير استراتيجيتها لتنجح في معالجة أزمة المتعثرين... أزمة الكويت... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي