خواطر صعلوك

التاريخ المنزلي... مقاربة تنموية

تصغير
تكبير

لي صديق تعجبني جداً علاقته بأبنائه.
يصبغ جدران منزله مع ابنه، يطبخ ويحضر مع زوجته وابنته، يطعم معهم الطير الصغير الذي يبقى طوال اليوم خارج القفص في صالة بيته، ويسقون النبتة التي أعلى الرف وتتدلى نحو السجادة الفارسية، ويبتسمون للسمكة الصفراء، رغم يقينهم أنها تملك ذاكرة سمكية كذاكرة الشعوب، يعلمهم الشعور بالمسؤولية تجاه الجار السابع، يكتب قصة معهم ويعلقون عليها... معالجة مشكلة بشكل جماعي كأسرة التخطيط لمهمة أو مشروع سفر، حتى إنه في الأعياد الوطنية يخرج مع أبنائه إلى الشارع بأكياس سوداء لجمع مخلفات الجيران، يعلمهم شيئاً جديداً، ويتعلم معهم تطبيق تجربة مسلية... الرسم أو مشاهدة فيلم... الجلوس إلى سفرة الطعام معا والتحدث بأريحية، انتقاد ظاهرة الشعور بالخيبة والهزيمة تارة والانتصار والأمل في مواقع أخرى، وذات يوم أُسس ماراثون يشترط فيه أن يمسك الأب بيد ابنه أو ابنته إلى خط النهاية من أجل أن يشارك فيه.
حسنا... ما الذي يفعله صديقي بالتحديد مع أبنائه؟
إنه يخلق هالة من الفرح في جو تشاركي منزلي.
إنه يقوم بمراكمة التاريخ المنزلي لأبنائه، والتاريخ المنزلي يشمل مجموعة المهارات والاستجابات اللائقة والخبرات والتجارب والقيم والاتجاهات، التي تعلمها وسار بها الطفل من الطفولة المبكرة إلى مرحلة الشباب، بما فيها المراهقة ليشكل مسودة أولية عن ذاته ومحيطه ومجتمعه ووطنه، فإما أن يكون من السابقين وإما مقتصداً في الخيرات، وإما ظالما لنفسه ولمن حوله.
فإذا صادفنا شخصاً قليل الأدب في الحياة، فهذا يعني أننا أمام سجل منزلي رديء تسبب فيه الأب أو الأم، أو حتى الخادمة! أو ربما لغيب لا نعرفه، نسأل الله أن يبارك في أبنائنا وأبنائكم.
تكمن أهمية التاريخ المنزلي في كونه سجل الشاب أو الشابة، ومدى تعامل الأسرة معهما على أنهما حقيقة بيولوجية لها تغيراتها، وحقيقة نفسية لها تجاربها وحقيقة اجتماعية وثقافية لها تفاعلاتها وتصوراتها، وكلما كان التاريخ المنزلي مليئا بالحيوية يصبح أصحابه لاعبين قادرين على تأدية أدوار في المجتمع، الذي ينطوي على قدر عالٍ من التاريخ المنزلي الحيوي يفضي إلى قدر أكبر من فعالية وكفاءة الشباب.
وتكمن خطورة أن يكون التاريخ المنزلي عبارة عن مساحات شاسعة لاستخدام التكنلوجيا سواء ألعاب البلايستيشن بالساعات، أو التواجد على مواقل التواصل بالأيام، أو إدارة كل شيء بالأصابع عبر الهاتف ولوحات التحكم بالإضافة إلى مؤشرات سمنة عالية، وأمراض طفولة منتشرة، في كونه يصبح سجلاً تاريخياً يجعل الشباب مرتبطين بالعالم الرقمي أكثر من محيطهم والتفاعل معه، وتجاهل حقيقته البيولوجية والنفسية والاجتماعية، بل وأكثر من ذلك هو تخريج منزلي لقطاع شبابي لا يملك الحد الأدنى من المهارات البسيطة «soft skills» والاستجابات اللائقة تجاه ما يمر عليه في اليومي والمعاش.
لقد تبين أن الأطفال الذي يعيشون في جو تشاركي - سواء في البيت أو المدرسة أو مراكز الشباب - يتفوقون دراسياً ويصلون إلى مستويات أخلاقية سامية، وأكثر اندماجاً في المجتمع، وتقل احتمالات تعرضهم للمشاكل النفسية والاجتماعية.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم، ونسأله زيادة البركة والنماء لأبنائنا وأبنائكم.

@moh1alatwan

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي