ذكرت في مقال سابق أننا قد نختلف في تقييمنا للأداء البرلماني للنائب السابق الدكتور عبدالمحسن جمال، إلا أننا لا نشكك في نزاهته ولا في إخلاصه وتفانيه في عمله كبرلماني. وأشرت أيضاً إلى أنه يحرص في لقاءاته المتلفزة على تنمية ثقافتنا السياسية، من خلال الصراحة في السرد والموضوعية في الطرح. فهو من بين النواب السابقين، الذين لم تتضخم حساباتهم ولم تتضاعف قصورهم، وهو من بين النواب السابقين النوادر الذين يجتنبون تزييف الحقائق من خلال إبلاغنا الحقائق المنقوصة، فهو من النواب السابقين الصفوة المعتزّين بأمانتهم وإرثهم البرلماني.
لذلك أرى أن مقابلاته تستحق التوثيق كمراجع للدراسات المستقبلية حول المشهد السياسي الكويتي خلال الفترة من بداية ثمانينات القرن الماضي إلى عام 2003. بل إنني أجد في مقابلاته مُوَجّهات وإرشادات لترشيد العمل البرلماني، خصوصاً في القضايا المتفاقمة المزمنة كأزمة «البدون» في الكويت.
منذ ثمانينات القرن الماضي وأنا أجد قضية «البدون» ضمن البرامج الانتخابية لمعظم المرشحين المستقلين والحزبيين. ولكننا - للأسف - لم نكتف بالتقاعس عن حلها على مدى أربعين سنة، بل تركناها لتتفاقم إلى درجة خطيرة، فباتت اليوم تهدد أمننا الوطني. فهي اليوم من القضايا التي تسيء بشدة إلى صورتنا في المجتمع الدولي. المجتمع الذي ثبت لنا بعد التحرير أنه عمق استراتيجي لنا، وأحد المحاور الرئيسة لضمان أمننا واستقرارنا.
الدكتور عبدالمحسن جمال، عاصر - خلال فترة عضويته - فرصتين لتجنيس المستحقين من «البدون» من دون نتائج إيجابية، بل بسلبيات منها تعزيز الثقافة المجتمعية الرافضة لتجنيس المستحقين. الفرصة الأولى كانت في مجلس 1992 وفق ما ذكره في لقاءين تلفزيونيين: الأول في برنامج اللوبي بقناة العدالة في عام 2004، والثاني في برنامج الحوار السياسي بقناة (aTV) قبل قرابة شهرين. فيقول الدكتور جمال إن المغفور له الأمير الوالد الشيخ سعد العبدالله اجتمع مع 45 نائبا في مجلس 1992 في قصر الشعب، للتباحث حول قضيتين كانت احداهما تجنيس «البدون» تقديرا لجهودهم وتضحياتهم في أزمة الغزو وجهود التحرير. في هذا اللقاء اعترض معظم الحضور على مقترح الأمير الوالد، ولم يؤيده من بينهم سوى 7 أعضاء، رغم أن غالبية النواب في تلك المرحلة كانوا في العلن متعاطفون مع تجنيس المستحقين من «البدون». وكنا نعتقد - نحن المواطنون - أن الحكومة هي التي ترفض تجنيسهم. فالمجلس شرّع لاحقاً قوانين لتجنيس 2000 وأحيانا 4000 آلاف شخص من «البدون» سنوياً، ولكن الحكومة كانت تتقاعس عن تنفيذ تلك القوانين.
الفرصة الثانية لتجنيس المستحقين من «البدون» كانت في مجلس 1999 الذي تشكلت فيه كتلة العمل الشعبي. ففي ذلك المجلس كان باستطاعة الكتلة أن تسيّر البرلمان وفق ما ذكره العضو المؤسس في الكتلة الدكتور عبدالمحسن جمال، حيث قال في لقائه الأخير مع برنامج الحوار السياسي، أن الكتلة كانت تضع أجندتها قبل دخول الجلسات، وكانت تحققها في الجلسات بطريقة غير مباشرة عبر تكتيكات واتصالات أعضائها بالنواب الآخرين. ولكن هذه الفرصة أيضاً مرّت مرور السحاب على مدى عمر الكتلة. ولا أستبعد أن سبب عدم اقتناص هذه الفرصة هو معارضة بعض أعضائها على تجنيس المستحقين من «البدون». الشاهد أن مشكلة «البدون» ليست مع الحكومة بقدر ما هي مع ثقافة مجتمعية لا تعي المحاذير الخارجية ولا المخاطر الداخلية لقضية «البدون».
إلى جانب التبعات السلبية الخارجية لملف «البدون»، هناك بعد داخلي خطير مرتبط بالجهات التي ضغطت على الحكومة - وعلى غيرها - من أجل حرمان هؤلاء «البدون» من حقوقهم الأساسية ودفعهم نحو العسر والفقر، ثم فتحت ذات الجهات أبوابها لمساعدتهم واحتوائهم.
لذلك يجب على الحكومة أن تلتفت إلى مخاطر الاستمرار في سياستها الحالية تجاه «البدون» وتركها مفاتيح معالجة مشاكلهم بيد ذات الجهات التي استغلتهم وما زالت تستغلهم.
ويجب عليها إعداد وتسويق مشروع قانون يوفر «للبدون» حقوقا متوافقة مع «اتفاقية الأمم المتحدة بشأن وضع الأشخاص عديمي الجنسية وحماية حقوقهم»، ومنسجمة مع «اتفاقية خفض حالات انعدام الجنسية». مشروع قانون متناغم مع حملة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي أطلقت في عام 2011، لحل مشكلة «انعدام الجنسية» في غضون عشر سنوات... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».