خواطر صعلوك

ماتت أمي في يوم عادي!

تصغير
تكبير

لم تمت أمي في رمضان، ولم تمت يوم الجمعة، لقد ماتت في يوم عادي وعاشت حياة عادية مثل الآخرين، ولم تولد أمي يوم عرفة أو في ليلة القدر، ولكنها ولدت في يوم عادي مثل الآخرين أيضا، كل ما في الأمر أنها كانت تعتبر كل أيام الله... غير عادية، وكل ما في الأمر أني أسقطت يوماً من الأسبوع بعدها، فأصبح هناك يوم من الأسبوع عادياً.
تمنيت لو أنني يوم الأحد أعد أصابعها العشرين، ثم أضحكها كطفلة، أدلل الخدين ثم أسأل ماذا كان حلمك في الليلة الماضية؟
ثم أطلب رأيها في مسألة سياسية، وتنفجر من الضحك وهي تقول لي: هل تعتقد أنني مثقفة؟!


وعلى طاولة العشاء في المساء اسألها عن الأشياء الثلاثة، التي كلما تذكرتها قبل النوم حمدت الله من أعماق قلبها وابتسمت، وسأخبرها أني رأيتها.
ثم يأتي يوم الإثنين على غير عادته مبكراً، فأوقظها في الصباح ونعد القهوة بأيدينا وأمازحها قائلاً:
هل تحلمين بمنجنيق عملاق لا يرمي إبراهيم في النار، بل ينثر الورد على الجماعة والجميع والمجتمع؟
فتقول: رائع... لكنني أحلم في طلاء البيت، وفرن تقليدي يوقد بالخشب، كما كانت جدتي تصنع الخبز، وأريدكم جيدين لأنفسكم.
ثم نثرثر سوياً عن كل شيء، ونستلقي من الضحك على ذاك الرجل في آخر الشارع الذي يبيع القرد، ويشتم من يشتريه، أقرأ لها الفنجان فتقول لي: توقف... قبل أن تلحن في القول.
وفي يوم الثلاثاء يحضر الجيران، فأنظر لها مستغرباً... حقاً تحويلها الكلام الاعتيادي في حياتنا اليومية إلى إيقاع ملفت لذاته.
وفي المساء أسألها: أخبريني من أنتِ؟ فتطلب مني الصمت، لكي تستمع إلى خبر جاء عرضياً على شاشة التلفاز كان ينقل شيئاً ما حدث في فلسطين.
تدعو لي بشيء يضعه الله في يدى وآخر على لساني، أضحك من الدعوة وأنام من دون أن أحلم بشيء، سوى ألّا يأتي يوم السبت يوماً، وهو يوم عادي.
ويوم الثلاثاء أتركها وحيدة، وفي هذا اليوم لا نشرب القهوة، بل تنتحي وحدها مكاناً قصياً في الجنوب ثم تهمس لكل الذين رحلوا بالدعاء، وفي المساء أسألها: أخبريني ما الموت؟ فأجدها تخبرني عن الحياة، وعن جدي وعن أبنائي وأزواج الحمام في فيلم وثائقي شاهدته بالأمس.
ويوم الأربعاء أمازحها وأعد خصلات الشيب في شعرها، فأحضر الكيس الأخضر الموضوع أسفل المغسلة وصحن مهمل وفرشاة أسنان وخلطة سرية، ثم أبدأ بالتلوين على شعرها... فترسمني.
في المساء أغازلها قائلاً: من الذي صبغ الآخر، شعرك أم اللون؟
فترد: اذهب واشترِ أجود أنواع المكسرات والمعجنات والبن ولا تنسى الزعفران، وفي الطريق لا تنس أن تخبر الجيران تحياتي، فغداً هو يوم الخميس.
وفي الخميس نسهر ولا نعد النجوم - كما يفعل العاشقون - ولكن نعد الفطور كما تفعل الطبيعة لقطة تزور بابنا الخلفي، وتوقظ حواسنا يوم الجمعة بالنواء، ثم نعد المكان الذي نجلس فيه لكي يثير إعجابنا جميعاً من أجل استقبال كوكب الشرق على التلفاز، وكأنها ستخرج من الشاشة لتجلس معنا وتقول: يا له من استقبال! ويوم الجمعة ترتدي جلباباً مطرزاً بالورود في كل مكان، وتصلي جالسة وكأنها شجرة، نجتمع سوياً كلنا وتظل مبتسمة طوال اليوم.
أما يوم السبت فهو يوم عادي.
رحمك الله يا حبيبتي.
وكل الآخرين... أمي.
استمتعوا بكل لحظة مع أمهاتكم، فهي تجربة لمرة واحدة، أما بقية التفاصيل فيمكن معالجتها بالواتس أب.
@moh1alatwan

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي