خيرالله خيرالله / ما يفترض باللبناني معرفته عن كارتر!

تصغير
تكبير
لا حاجة ملحّة إلى أن يعرف اللبنانيون كثيراً عن جيمي كارتر، علماً أن ثمة أموراً متعلقة بالرجل يجب ألا تغيب عن بالهم في أي وقت. الرجل من الماضي وثمة تقويمات مختلفة، حتى لا نقول متناقضة، لما حقق في الأعوام الأربعة التي أمضاها في البيت الأبيض. كان عهده، بين العامين 1976 و1980، مليئاً بالأحداث الكبيرة التي غيرت العالم عموماً والشرق الأوسط على وجه التحديد. كان نجاحه الوحيد في العام 1978 عندما توصلت مصر وإسرائيل برعاية مباشرة منه إلى اتفاقي «كامب ديفيد». أحدهما يعالج العلاقات بين مصر وإسرائيل وقد أفضى إلى معاهدة السلام التي وقعت في مارس من العام 1979 والآخر يتطرق إلى موضوع الحكم الذاتي الفلسطيني وقد بقي حبراً على ورق.
بغض النظر عن الزاوية التي ينظر من خلالها البعض إلى اتفاقي «كامب ديفيد» وما إذا كان العرب أخطأوا في التصدي لما توصل إليه الرئيس أنور السادات مع مناحيم بيغن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، وقتذاك، بدعم مباشر من كارتر، أم لا، لابدّ من الاعتراف بأن الرئيس الأميركي السابق كرس جهوداً جبارة لتحقيق «إنجاز ما» يتوّج به عهده. كان هذا «الإنجاز»، الذي للبنان علاقة به، تحقيق السلام بين أكبر دولة عربية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. وهذا في حدّ ذاته تطور أقل ما يمكن أن يوصف به بالتاريخي بكل ما في الكلمة من معنى. لم يفهم العرب، في معظمهم، حتى اللحظة ماذا تعني معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية والأسباب التي دفعت مصر إلى السير في هذا الاتجاه. احتاجوا إلى ثمانية أعوام بالتمام والكمال، أي إلى «قمة عمّان» التي انعقدت في نوفمبر من العام 1987 كي يكتشفوا كم أنهم في حاجة إلى مصر، وأن لابدّ من عودة العرب إلى مصر، أو مصر إلى العرب لا فارق. فعلوا ذلك بعد إضاعة أعوام في مزايدات لا طائل منها استخدمها النظام السوري لاحكام قبضته على لبنان وتكريسه «ساحة»، ليس إلاّ لتصفية حساباته مع العرب وغير العرب... في وقت كان النظام العائلي - البعثي الآخر، أي نظام صدّام حسين غارقاً إلى رقبته في حرب لا طائل منها مع إيران الخميني.
في رقبة لبنان دين لجيمي كارتر. اسم هذا الدين القرار رقم «425» الذي صدر عن مجلس الأمن في مارس من العام 1978 ولم ينفّذ إلا في مايو من العام 2000 لسببين على الأقل أولهما اشتداد المقاومة في جنوب لبنان من جهة، ورغبة رئيس الوزراء إيهود باراك في إحراج ياسر عرفات وإجباره على رفض العرض الذي قدمه له صيف العام 2000 في «قمة كامب ديفيد» من جهة أخرى. كان رفض الزعيم الفلسطيني الراحل للعرض الإسرائيلي الغامض، بالطريقة التي فعلها، كافياً لتأليب الأميركيين عليه. والحقيقة أن أبو عمّار وجد نفسه مضطراً بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في الربيع من دون قيد مع إصرار على تسليم المنطقة إلى «حزب الله»، إلى رفع سقف مطالبه السياسية في الصيف. اعتقد ياسر عرفات أن في استطاعته تكرار تجربة جنوب لبنان في الضفة الغربية. أوقعه ذلك في الفخ الذي نصبه له الإسرائيليون على رأسهم باراك!

لدى العودة إلى الظروف التي أدت إلى صدور القرار «425» والملابسات التي رافقت ذلك، يتبين أن كارتر وأنور السادات كانا وراء القرار. كل ما في الأمر أن الرئيس المصري الراحل زار القدس المحتلة وخطب في الكنيست في نوفمبر من العام 1977. كانت تلك خطوة دراماتيكية فاجأت العالم بمن في ذلك إدارة كارتر التي أظهرت منذ البداية نوعاً من التعاطف مع الشعب الفلسطيني عبّر عنه الرئيس الأميركي نفسه لدى حديثه في بداية عهده عن «وطن» للفلسطينيين داعياً إلى اعتراف «منظمة التحرير» بالقرار «242» مع «تحفظات معينة» مؤكداً أن مثل هذه الخطوة «تناسبه».
اكتشف كارتر بعد زيارة السادات للقدس أن بيغن ليس مهتماً بالسلام وأنه بدأ يراوغ. ولاحظ أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ذهب بعيداً في رده على عملية نفّذها الفدائيون الفلسطينيون انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، فاحتل جزءاً من جنوب لبنان بما يحرج الجانب المصري ويمنعه من الاستمرار في المفاوضات التي بدأت برعاية أميركية. كان لابدّ عندئذ من الطلب من مصر صياغة القرار الذي تجده مناسباً والذي يكفل عدم انسحابها من المفاوضات. هذه قصة القرار «425» ذي الصياغة المصرية، الذي تولى الأميركيون تمريره في مجلس الأمن، والذي يؤكد ضرورة الانسحاب الإسرائيلي إلى خط الهدنة المعترف به دولياً، ونشر قوة دولية موقتة في المنطقة سميت «يونيفيل».
كل كلام آخر عن القرار «425» لا معنى له، ذلك أن كل كلمة وردت في هذا المقال عن الظروف التي أدت إلى ولادة القرار صادرة عن الديبلوماسي الأميركي الذي كان وقتذاك عضواً في بعثة بلاده لدى الأمم المتحدة، والذي لعب دور ضابط الاتصال بين الخارجية الأميركية والمصريين. كان هم الأميركيين محصوراً في المحافظة على المفاوضات المصرية - الأسرائيلية عن طريق تجميد الوضع في جنوب لبنان، وذلك وصولاً إلى «كامب دايفيد». حصل ذلك في سبتمبر 1978.
الأكيد أن جيمي كارتر 1978، جيمي كارتر الرئيس المقيم في البيت الأبيض، ليس الرجل نفسه في العام 2008. لكن ذلك لا يمنع من التساؤل، في ضوء ما أظهره الرجل من سذاجة في كل مرة تعاطى فيها مع السوريين، هل يخبئ مفاجأة للبنان، أليس على اللبنانيين اعتماد جانب الحذر لدى التعاطي معه؟ خصوصاً أنه يظهر بين الحين والآخر ميلاً إلى النظر بجدية إلى المفاوضات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل، غير مدرك أن الهدف السوري يتمثل في التفاوض مع الأميركيين، من أجل صفقة معهم، وليس مع الإسرائيليين وأن الجائزة التي يسعى إليها النظام السوري هي جائزة العودة إلى لبنان وليست استرجاع الجولان. هذا ما يدركه الإسرائيليون أكثر من اللزوم ويتصرفون انطلاقاً منه!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي