خواطر صعلوك

سؤال 1956م... وإجابة 2019م!

تصغير
تكبير

في هذه الأيام الأولى - التي قضيتها في الكويت - نزلت في دار الضيافة الحكومية، كنت أخرج في الصباح الباكر أستمتع بالمشي على الشاطئ، وفي يوم وقفت فجأة وتصورت الأبنية الواقفة أمامي - وقد خلت من ساكنيها وأصبحت قاعاً صفصفاً - وذكرتني الصورة التي استحضرتها من ضمير الزمان، بتدمر ذات الأعمدة الضخمة التي تشهد بما كان، ولكنها لا تشهد على ما هو كائن، وعرفت من أين جاءت هذه الصورة للكويت: ماذا يحدث عندما يجف النفط في الكويت؟
في سنة 1956 كان النفط بعد في أول تدفقه، وكانت الهيئات واللجان المختلفة تخطط وتعيد النظر في المخططات، ولم يكن ثمة حاجة لمثل هذه النظرة السوداء. ولكن السؤال الذي يسأل دوماً... وماذا بعد النفط؟ ولم أسمح لنفسي بتصور الإجابة، إما خوفاً من المستقبل وإما تجنباً للخطأ أو الزلل. النص السابق عزيزي القارئ منقول بنصه من كتاب «حول العالم في 76 عام» للرحالة والمثقف الموسوعي الشامي نقولا زيادة. وأغرب ما في النص... السؤال. لقد سأل السيد نقولا زيادة السؤال عام 1956م في عهد الشيخ أحمد الجابر رحمه الله، بعد أن حضر حفلة الشاي في قاعة المدرسة الثانوية في الشويخ. سأل السؤال وقتها أمام البحر... ونحن اليوم نسأله في البر والبحر والشقق المستأجرة وبيوت محدودي الدخل والدواوين.
لقد سأل هذا الرجل - الغريب وقتها - السؤال الذي لم يسأل بعد، والغريب كيف أن هذا الغريب كان دقيقا في توصيفه... ولكنه خاف الإجابة. واليوم نحن نبحث عن إجابة. ولكن لدى معالي الشيخ ناصر صباح الأحمد الجابر الصباح إجابة عن هذا السؤال. وهذه المرة كانت الإجابة ليس مزيدا من النفط... بل من «الحرير». موسوعي ومثقف يسأل في كتاب عام 1956م، وموسوعي ومثقف يجيب على الشاشة عام 2019م.
وما فهمته من الإجابة أن مشروع الحرير له من اسمه نصيب، حيث الانسيابية التي تجعل المدينة كياناً واعياً فاعلاً ومتفاعلاً مع بعضه البعض، ومع التنوع البشري القادم من فارس وبابل والأتراك... أهل الله والزنج والإفرنج والنساك وكل من وطئ الحصى.
وأثناء نسج «الحرير» ستكون هناك ضمانة الاستقلال والاستقرار الإداري والمالي للدولة، وقدرة برامجية وسياسية تراعي العقد الاجتماعي على تغيير واقع السياسات، وابتداع سياسة فكرية واقتصادية وثقافية جديدة ومغايرة. وأنه رغم أننا ما زلنا في المطار وجميع من حولنا من الدول قد أقلع، إلا أن هذا لا يعني أن الوقت قد تأخر، وبأن الخطاب السياسي عليه أن يتمتع بالخيال ويسأل السؤال الذي لم يسأل بعد.
ومما فهمته أن «الحرير» لديه القدرة والإمكانية على العمل ضمن بنية إنتاج ومحركات نمو حديثة، ومنظومات اتصال وتواصل اجتماعي لم تعد تفهم العالم بلغته القديمة وأدواته المستنفدة، ومجالات فعل وتأثير لا تسعى إلى الاحتواء بقدر السعي نحو إطلاق طاقات الإنسان الكويتي المهدورة، وجعله أكثر استقرارا بحيث يدير المشهد ولا يديره المشهد.
والرهان على ذلك كله هو التاريخ الذي أثبت كفاءة المواطن الكويتي، والتعليم الذي ليس فقط يحفظ كرامته ولكنه أيضا يجعله أكثر قدرة على المنافسة. ومما فهمته أن وزارات الدولة والحكومة متفهمة لطبيعة الدور والمرحلة، وأن وزارة التربية - تحديداً - تعلم أن دور التعليم في هذا الرهان يتخطى تصوراتها عن التعليم ذاته.
ولأنني اقتربت كثيراً من المنزل، فلا يسعني سوى أن أدعو الله أن يكتب الخير للكويت وأهلها بقدر أكبر من تصورات كاتب من أهلها أو رؤية وزارة من وزاراتها. والنوايا مطايا.

@moh1alatwan

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي