الصاد في اللغة هي طلب شديد ومتكرر بالصمت، والإنصات للفعل والقول.
فالصب إصغاء الفعل لحركته وتدفقه.
والإصغاء هو الاستماع بتركيز في اتجاه واحد، والإنصات هو أعلى وفي كل اتجاه وأفق...
والصمت بيت السكوت الواعي ووطنه.
وقالت العرب: صه!
وهو طلب الصمت والإصغاء، والإنصات أحياناً بطلب وعي ما يقال وما يفعل، وأحيانا بصيغة الاستنكار والتنكير إذا كان التنوين أسفل الهاء.
الصاد في اللغة كانت هي محور مخيم الكتابة براحة... هكذا أعتقد.
لولوة تعتقد أنه حرف اللام، وأحمد يعتقد أنه حرف الهاء، وراشد ذكر مرة أنه حرف «الجيم».
ولكني أعتقد أن «التاء» كانت حاضرة أيضاً.
والتاء في اللغة هي تاء التعلم والتنمية والتجاور والتشارك، وهي تاء التأني في الكتابة، وتاء الاستطاعة في التعبير.
بالتأكيد أن التاء كانت حاضرة في «كتب».
فكاف الكتابة هي كاف التشبية والوصف الدقيق، لإسقاطات وأفعال الذات العارفة.
والتاء هي تاء التحري والتحلي والاستطاعة والتهيئة، لكي لا تبني كوخاً بالقلم وتهدم إمكانية تطور مدينة بكوعك.
والباء هي باء الواسطة، بجعل الفعل بالكتابة وليس عند الكتابة... من خلال التأثيرات التي نتركها في القراء بواسطة الكتابة وليس عند الكتابة لأنفسنا فقط.
ولكن حتى «الميم» كانت حاضرة.
والميم هي ميم الجمع والضم واللم، في المخيم والمنزل والمدرسة والمجاورة... ونهاية كلمة الأم.
وأشعر بالحيرة في أي حرف من الحروف الثلاثة، كان المخيم أقرب؟
أسبوع كامل في مخيم الكتابة الأول «براحة»، كان كافياً لأن أكتشف أن السؤال أكثر أهمية من الإجابة، وأن الإمكانية أكثر أهمية من النظر في نقاط الضعف، وبأن الإنصات فعل تبادلي يجعلنا نرى أنفسنا في الآخرين... وكم كنت أحمق في الكثير من المقالات التي كتبتها.
هل كنا نبحث عن مساحة بديلة؟ هل كنا نبحث عن من يشبهنا؟ هل كنا نسعى للهروب من الضجة التي يصطنعها نادي الكتاب؟ أم كنا نسعى للقدوم إلى «براحة» طنينها داخلي وصادق ومعبر، كما أنا، وليس كما يحيط بالنقطة التي كثرها من يكتبون عن الأدب ولكنهم لا يكتبون أدباً.
أريد أن أشكر كل المشاركين الذين تعلمت منهم الفرق بين فعل الكتابة وبين الفعل بالكتابة، الذين طرحوا السؤال الذي لم يسأل بعد، الذين جعلونا نضحك جميعا ونبكي جميعا، نصمت جميعا ونكتب جميعا، الذين علموني معنى التجاور والمجاورة، وأهمية التشارك مع نماذج مختلفة في الكتابة وإطلالات متنوعة في المعنى، والذين تعلمت منهم ومعهم أنني لست «الكاتب» ولكني «كاتب»، الذين تساءلوا جميعا كيف لنا أن نخوض غمار هذه الحياة إذا كانت نزعة الاستحواذ المادي لدينا أكبر من نزعة الفعل الاجتماعي، ونزعة الأنانية أكبر من نزعة المشاركة، ونزعة حرق الغابات أكبر من غرس الفسائل، ونزعة بناء التصورات عن الآخرين أكبر من الإنصات إليهم؟
وإذا كنا نعبر الحياة ونمارسها - ونحن نعيش في مساحات تنطوي على قدر عال من الأقوال والكتابات التي تعفي صاحبها من الالتزام الأخلاقي بما يقوله، بحيث يصبح قول الكاتب لا يوافق عمله - فإن هذه المساحات الكتابية تفضي إلى قدر أكبر من زخرف القول، الذي يبني صرحاً من الملح ينهار مع أول قطرة مطر.
نعم... تذكرت أيضا لماذا حرف «الصاد»، لأنه الصدق في الكتابة والصبر عليها والصوم عن كل ما لا ينفع الناس في الأرض، والصلاة على الصادق الأمين في القول والفعل والنوايا والعمل.
لقد شاركت في نقطة، وحدّ الله لنا فيها المعاني الجميلة، ويسّر لنا وعلينا الكلمات، والحمد لله رب العالمين.
@moh1alatwan