قبل البدء في موضوع مقال اليوم، واستجابة للتساؤلات التي وردتني حول دعوتي في مقال الأسبوع الماضي إلى تبني شعار «الإرهاب لا دين له»، أود أن أوضح أنها جاءت في سياق دعوتي إلى تعاون وتكامل جميع الأطياف البشرية في محاربة الإرهاب، مهما كانت الأيدولوجيات والمعتقدات الدينية التي يعتنقها الإرهابيون، ولم تكن من باب نفي البعد العقدي في صناعة الإرهاب. فقد سبق أن طالبت من خلال العديد من المقالات، بضم البعد الفكري والعقائدي إلى المحاور الرئيسة في مشاريع التصدي للإرهاب.
وأما موضوع مقال اليوم، فهو بشأن أزمة الشهادات الكرتونية «الوهمية والمزيفة وخلافهما»، التي اعتدنا على أن يتم تسليط الضوء عليها من قبل وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، على فترات متقطعة وبصورة متموجة منذ عام 2006. فالأزمة انكشفت مع تسريبات في ذلك العام بشأن تسلل آلاف الشهادات الجامعية الكرتونية إلى الكويت.
ثم تفاقمت مع الإعلان عن فضيحة اعتماد وزارة التعليم العالي لشهادات دكتوراه وهمية.
رغم طول سنوات معاناتنا من هذه الأزمة، إلا أننا ما زلنا في مرحلة كشف أبعادها والسعي لاحتوائها، ولم نبدأ فعليا مرحلة معالجتها والقضاء عليها. ولتأكيد هذا الواقع الخطير، تكفيني الإشارة إلى ما صرح به وزير التعليم العالي الأسبق الدكتور بدر العيسى في لقاء تلفزيوني - قبل ما يزيد على العام - حيث قال: إن «مكافحة آفة الشهادات الوهمية تحتاج لأربعة وزراء ونائب».
هذه الأزمة عادت مرة أخرى السبت الماضي بعد نشر رابط لوثيقة صادرة من وزارة التعليم العالي - كانت متاحة في حينها في موقع الوزارة على شبكة الانترنت - تتضمن أسماء كويتيين حصلوا على شهادات جامعية وعليا من الجامعة الأميركية في أثينا... الجامعة التي نعلم منذ سنوات عديدة أنها شقة بلا فصول دراسية ومن دون مختبرات، وأنها غير مرخصة من قبل وزارة التعليم العالي اليونانية.
بعد ما يقارب من الثلاث عشرة سنة من عمر الأزمة، لا أستبعد أن تنتهي الموجة الإعلامية الحالية بنفس ما انتهت إليه الموجات التي سبقتها. ولكنني في الوقت ذاته، أرى أن هذه الموجة تتميز في كونها تأتي بعد الضجة الإعلامية والمجتمعية من أزمة مكيفات المدارس، التي انتهت بإحالة عدد من قياديي وزارة التربية إلى التحقيق، ومن ثم استقالة وكيل الوزارة وتقاعد أحد مساعديه بعد قرابة شهر من بداية الأزمة. لذلك أتساءل هل ستدفع الموجة الإعلامية الحالية الحكومة إلى التعاطي بحزم مع بعض قياديي وزارة التعليم العالي على غرار حزمها مع بعض قياديي وزارة التربية في أزمة المكيفات؟
هناك مفارقة بين الأزمتين، فرغم كون أزمة الشهادات هي الأكثر ضررا على الكويتيين والأشد خطرا على الكويت، إلا أننا كدولة كنا أكثر حزماً في محاسبة المسؤولين عن أزمة المكيفات! وهذه المفارقة لم تقتصر على ازدواجية الحكومة في تعاطيها مع الأزمتين، بل شملت ازدواجيتنا نحن أولياء أمور الطلاب والطالبات، والمجتمع، وإلى جانبنا نوابنا في مجلس الأمة.
هناك مجموعة من الأكاديميين الإصلاحيين الذين يسعون إلى اجتثاث الشهادات الكرتونية من مجتمعنا، وهم حريصون على فهم الأسباب والعوامل التي دفعت الدولة إلى التعاطي بحزم مع أزمة المكيفات، لعلهم ينجحون في تجديد تلك الأسباب والعوامل من أجل القضاء على أزمة الشهادات، ومحاسبة المسؤولين عن نشأتها وتفاقمها، وتفعيل منظومة إدارية أكاديمية تمنع تكرارها مستقبلا.
تلك المجموعة لديها شواهد بأن من بين العوامل الرئيسة لإجبار أو تمكين الحكومة من تبني منهجيه حازمة في مكافحة صور الفساد، وجود ضغط أو دعم شعبي لتلك المنهجية. فهم يرون أن حزم الحكومة في أزمة المكيفات كان متسقاً مع الرغبة الشعبية، وفي المقابل الحكومة غير قادرة على تبني ذات المنهجية الحازمة في أزمة الشهادات، لأنها تعلم أن وباءها مستشر في المجتمع وتخشى الصدام معه.
وهنا أستذكر ما طرحه الأستاذ خالد القلاف في ديوان الكتاب والأكاديميين، حول ضرورة تنمية القيم الإصلاحية في المجتمع، لكي نتمكن كدولة من محاربة الفساد. نعم، إذا أردنا نحن كمجتمع القضاء على الشهادات الكرتونية فعلينا أن ننمي قيمنا الإصلاحية، فنحول الاستياء من إجراءات منع الغش في المدارس إلى مطالبة، ونقلب المعارضة لوقف الابتعاث إلى جامعات غير مرموقة إلى تأييد، ونستبدل القلق من تمكين الجهاز الوطني للاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم من أداء كامل مهامه إلى اطمئنان... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».
[email protected]