وأنت تتعمق في قصة سيدنا يوسف - عليه السلام - يأخذك أشد العجب، أن القرآن الكريم حين حكى هذه القصة لم يذكر أبداً جهد ودعوة النبي الرسول يوسف لقومه، ولا نقاشه معهم أو جداله لهم ولا ما بذله من أجل اتباع رسالته السماوية، عدا ما ذكره القرآن - عرضاً - من دعوته عليه السلام لصاحبيه في السجن للتوحيد فقط، وسكت القرآن نهائياً عن بيان دعوة يوسف وجهاده مع من بُعث إليهم نبياً، ولم يذكر لنا منه أي شيء، ولعل في ذلك حكمة بالغة جداً لمن أمعن التفكير.
فكل قصة سيدنا يوسف تحكي لنا مشهدين اثنين فقط، الأول: تلك الفتن والابتلاءات التي امتحن بها هذا النبي، وكيف صبر عليها، وكيف آل حاله إلى التمكين والتغلب على هذه المحن والغلبة أيضاً في الأرض، أما ثاني المشاهد - ولعله أهمها في هذه القصة - فهو مشهد قيامه على خزائن الأرض وزيراً للمالية، لمملكة تتعرض لهزات مالية عنيفة ومجاعات وقلة موارد تأكل كل ما تدخره هذه المملكة، وكيف نجح في هذه المهمة قياماً بالواجبات الإدارية والاحترازية، والخطط التي يستطيع من خلالها مواجهة هذه الأزمة، وأيضاً في الأمانة على المال العام وحفظه وصيانته بعيداً عن العبث به والتعدي عليه، فكانت صفات يوسف «حفيظ عليم»، مبررات طلب تعيينه قائماً على خزائن المملكة.
وإن كان من العجب - أيضاً - أن يكون النبي الرسول تحت إمرة ملك، إلا أنه... وكأن القرآن الكريم يريد إيصال رسالته لنا أن القيام بشؤون الدولة وحسن إدارتها والحفاظ على ثرواتها وترتيب صرفها على مستحقيها والقيام بواجب العدالة الاجتماعية بها، كانت تلك هي رسالة يوسف - عليه السلام - أو على الأقل الجزء الأهم الذي حكاه لنا القرآن، على اعتبار أن الرسل لم يأتوا فقط لإصلاح المعتقد، بل جاؤوا أيضا لإصلاح أحوال الناس ومعيشتهم وتحقيق العدالة فيهم، وحرباً على الظلم والجور! بالتعمق في هذه القصة الجميلة لا يجد المتفحص إلا أن هذه هي رسالتها لنا.