وصلتني من أحد شركاء تطوير التعليم التطبيقي، دكتورة متخصصة في الطاقة في معهد الكويت للأبحاث العلمية، معلومات قيمة حول الأكاديمية الوطنية للطاقة في المملكة العربية السعودية؛ الأكاديمية التي استقبلت في العام الدراسي الحالي الدفعة الأولى من طلبتها المتدربين. أقول إن هذه المعلومات مهمة بالنسبة للكويت، لأنها متعلقة بقطاع الطاقة الذي له دور محوري في خطط التنمية الوطنية في جميع الدول المتحضرة، ولأنها مرتبطة بنموذج تعليمي قادر على تلبية متطلبات قطاع الطاقة الخليجي من فنيين أكفاء.
تتميز هذه الأكاديمية بامتلاكها العديد من مقوّمات ومُمكّنات النجاح والتميز في أداء رسالتها، من بينها كونها مُشغّلة بواسطة كلية بسمارك الأميركية (Bismarck State College) بخبرتها العريقة في برامج التدريب لقطاع الطاقة. ولكن الأهم من ذلك هو أن فكرة إنشائها تشكّلت استجابة لنتائج دراسة جدوى شاملة للقوى العاملة في قطاع الطاقة بالمملكة. خصوصاً أن هذه الدراسة تمت برعاية ومشاركة الأطراف الرئيسة في ذلك القطاع، وهي حكومة المملكة وشركة أرامكو والشركة السعودية للكهرباء إلى جانب جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.
والمقوم الآخر لتميّز هذه الأكاديمية هو استمرارية التعاون بين تلك الأطراف، وتعزيزها لاحقاً عبر خطاب إعلان نوايا في عام 2014 لتلبية الحاجة المنظورة لقطاع الطاقة السعودي من عمالة فنية مدرّبة. ثم تطور مستوى التعاون بينهم إلى شراكة شملت أطرافا جددا، من خلال توقيع مذكرة تفاهم في عام 2015 لإنشاء الأكاديمية الوطنية للطاقة. حيث وقّع على المذكرة كل من أرامكو والمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني والمؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن والشركة السعودية للكهرباء، بالإضافة إلى شركتين عالميتين هما جنرال الكتريك وسيمنس. ولذلك هذه الشراكة الاستراتيجية تتميز بقوّة أعضائها وشمولية نطاقها، لأنها جمعت بين الحكومة وبين ممثلين بارزين عن سوق العمل ومنتجو التكنولوجيا والمؤسسات الأكاديمية.
ولأن أكاديمية الطاقة أنشأت وفق منهجية علمية عملية، نجدها اليوم تمتلك رؤية واضحة ولديها خطط تنفيذية وتطويرية متوافقة مع خطط التنمية السعودية. فنجد أن مديرها التنفيذي يصرح «انه لضمان تحقيق التوازن المنشود تعمل الأكاديمية على تلبية الطلب المتنامي عبر تدشين المرحلة الأولى من عمليات الأكاديمية بطاقة استيعابية تصل إلى 700 طالب سنوياً، إلى جانب التوسع بالطاقة الاستيعابية للوصول إلى 2000 طالب سنوياً بحلول عام 2022م».
وبالنسبة للشراكة بين التعليم وقطاع الطاقة في الكويت، نجد أن الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب وقعت مذكرات تفاهم مع العديد من الجهات الحكومية وغير الحكومية لتلبية متطلباتها من الخريجين المهنيين، من بينها مذكرات تفاهم لتطوير برامج أكاديمية ودورات تدريبية مستمرة، وأخرى لاستحداث برامج أكاديمية جديدة، كتلك التي استحدثت في كلية الدراسات التكنولوجية لصالح القطاع النفطي، بحيث يلتحق الطالب في البرنامج الأكاديمي بمكافأة أثناء الدراسة، وبضمان الوظيفة في القطاع النفطي بعد التخرج. المراد أن هناك شراكة بين قطاعي التعليم والطاقة في الكويت ولكن ليس بمستوى النموذج السعودي الذي أنتج «الأكاديمية». فما الذي يمنعنا من تطبيق النموذج السعودي؟
هنا لابد من الإشارة إلى الجهود المضنية التي يبذلها أكاديميون في «التكنولوجيا» لاستحداث عدد من البرامج الأكاديمية في تخصصات حديثة لصالح قطاع الطاقة المحلي. للأسف هذه الجهود تعرقلها عوائق متعددة، أبرزها عدم توافر تقارير رسمية توثّق الحاجة المستقبلية لخريجي التخصصات المستهدفة. ولتعويض هذا النقص، يلجأ بعض الأكاديميون إلى التواصل المباشر مع مؤسسات قطاع الطاقة للحصول على خطابات رسمية تبين احتياجاتها من خريجي تلك التخصصات، ولكن تلك الجهات غالباً ما تتحفظ في تقدير احتياجاتها. هذا بالنسبة للاحتياجات المستقبلية للجهات القائمة، وأما المشاريع التنموية المستقبلية الضخمة جداً، كمشروع الجزر الخمس ومدينة الحرير، فالغموض أشد بدرجات.
فعلى سبيل المثال، بالرجوع إلى تصريحات المسؤولين في الصحف الرسمية، نجد أنهم يعلنون «أن مشروع الجزر سيوفر 200 ألف وظيفة، وذلك حسب بحث قامت به احدى المؤسسات الدولية المتخصصة». وأنا بدوري أتساءل أين هذه الدراسة؟ وكم عدد الخريجين المطلوبين في كل تخصص على مدى السنوات المقبلة؟ أليست الهيئة العامة للتعليم التطبيقي معنية بالاطلاع عليها «فوراً»، حتى تتمكن خلال دورة مستندية طويلة - تمد لسنوات عدة- من تطوير قدراتها المؤسسية والبشرية والأكاديمية، لتتمكن من استقبال الطلبة في البرامج الأكاديمية المطورة أو المستحدثة، من أجل تأهيلهم على مدى سنتين وأكثر، ليصبحوا مهنيين قادرين على تلبية احتياجات مشروع الجزر الواعد؟... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».
[email protected]