يقول السيوطي في كتاب «تاريخ الخلفاء»: إن بطارقة الأرمن أرسلوا إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين ملتصقين عمرهما خمس وعشرون سنة، وكان الالتصاق في الجنب عند الحوض، ولهما جسدان مختلفان... بطنان وسرتان ومعدتان ويختلف أوقات جوعهما وعطشهما وبولهما «أعزكم الله»، ولكل واحد كفان وذراعان ويدان وفخذان وساقان، وكان أحدهما يميل إلى النساء والآخر لا يميل.
ومات أحدهما وبقي أياماً وأخوه حي فأنتن، وجمع ناصر الدولة الأطباء على أن يقدروا على فصل الميت عن الحي، فلم يقدروا ثم مرض الحي من رائحة الميت... ومات.
تقول الحكاية إن الأخوين كانا ملتصقين، ورغم ذلك منفصلين بغير انفصال حقيقي!
تأخذني هذه القصة لمساحات كثيرة وإسقاطات أكثر، على المستوى الفردي والمجتمعي والإقليمي، ولكنها مباشرة تأخذني إلى الأزمة الخليجية، والتي لن أتحدث عنها - طبعا - لاعتبارات نسيتها الآن، ولكن ما أعرفه جيداً أننا نشبه هذه الحكاية، حيث المسكوت فيها أكثر من المنطوق أوالمكتوب!
تأخذني الحكاية أيضا إلى الأطفال الصغار في أسر مطلقة، أطفال ملتصقون بما لا يرى ولكنه يحس، ثم طلب منهم القاضي اختيار أحد النصفين، فأصبح عليهم كل يوم قبل النوم أن يدفنوا جزءاً منهم، إنها حكاية تأخذني إلى الأزواج والأبناء... والشجرة. تأخذني إلى أخوين كانا يلعبان دائما أسفل نافذة غرفتي، أحدهما عراقي والآخر كويتي، لكل واحد منهما بطنان وسرتان ومعدتان ويختلف أوقات جوعهما وعطشهما وبولهما «أعزكم الله»، ولكن أحلامهما واحدة، وأمهما الكويتية واحدة!
تقول الحكاية «فلم يقدروا على فصلهما ثم مرض الحي من رائحة الميت، ومات»..لا شك أن هذا الجزء يأخذني للبدون الذين نعرفهم ككويتيين، ويمثلون لنا حالة الالتصاق والانفصال في الوقت نفسه، مجتمع نصفه «موتى»، ولكنهم لم يدفنوا بعد، ونصفه «أحياء» مع شلل الحركة؟
لا أدري ما إذا خطرت هذه الأسئلة في بال ناصر الدولة بن حمدان، أم أنه اكتفى بالنظر والتحديق لحالة التصاق نصفها ميت ونصفها حي! ولن أنسى - طبعاً- أن اسأل نفسي عن الجزء الحي والجزء الميت في ذاتي، وفي صراع القيم الذي يعتريني، وعن جدوى كتابة هذا المقال أصلاً؟ ثمة إحساس ما يسكنك وأنت تقرأ هذه الحكاية، تضحك ولكن برغبة في البكاء، ليس لأنها مفارقة ساخرة من أوضاع وحالات الحياة الإنسانية، ولكن لأنك تعلم أن كل الحبكات الروائية تصبح عبثا أمام الموت، لأنها تجربة لمرة واحدة ولا يمكن لها أن تتكرر مرتين، ولكن في هذه الحكاية تحديداً كان التحديق في الموت مفجراً للضحك والبكاء معا. تقول الحكاية أيضا: «... وجمع ناصر الدولة الأطباء على أن يقدروا على فصل الميت عن الحي، فلم يقدروا...»، هنا يحضرني سؤال الفلسطيني عن جدوى السؤال ذاته، ومحاولات الفصل عن الهوية وردة فعل الالتصاق بالأرض. وهنا اتساءل في 2019، ولا أدري إلى أي مدى يحق لي هذا التساؤل في زمن التطبيع؟ هل أصبحت فلسطين هي الجزء الميت فينا، والذي لم يدفن بعد ونسعى إلى دفنه؟ أم أنها الجزء الحي الساعي للالتصاق أكثر بموتى أحبوها يوما ما؟ إلى هنا انتهيت مما أريد قوله، ولم يتبق سوى أن أذكر لك أن القافلة التي أرسل معها بطارقة الأرمن الشابين الملتصقين إلى ناصر الدولة ابن حمدان تحولت جميعها برجالها وجمالها وخيولها إلى طائر بثلاث أجنحة وعشرين طعنة في الرقبة، طائر لا يشبه إلا نفسه، يتغذى على كل الملتصقين الذين لفظهم كيانهم، مسخ حداثي أنكره السيوطي في حكايته، وتبناه كافكا في رواياته.
على هامش الانتباه:
التحديق في حريق محطة رمسيس، كان مفجرا للبكاء فقط، احترقت قلوبنا معكم... رحم الله موتاكم يا أهل مصر وكفاكم الله ما أهمكم وعصمكم من المكاره، مع رغبة عارمة للبكاء على السيدة التي ظهرت في الفيديو وهي ملتصقة بطفلها، ورغبة عارمة للكتابة عن العبوات الناسفة التي تقتلنا بسبب الفساد والإهمال وقصر النظر وليس بسبب داعش فقط.
على هامش المقال:
شكرا لكتاب «بوح السرد» لجمال الحلاق، حيث تعلمت منه الإصغاء للحكاية.
@moh1alatwan