رأي «الراي» / صباح الأحمد وفلسطين... القابض على الحق

No Image
تصغير
تكبير

لم يكن موقف سمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد المتمسك بحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية مفاجأة إلا للذين لا يعرفون الكويت أو أميرها أو شعبها.
فمن يقرأ التاريخ بعين الباحث المتعمق يدرك أن دولتنا وحكامنا وشعبنا كانوا أول من استنكر وعد من لا يملك إلى مَن لا يستحق.
ثم كانوا أول الحراك العربي في المحافل الدولية.


ثم كانوا أول المنتكبين بنكبتي 1948 و1967 وأول الحاضنين للقضية ولأبنائها.
ثم كانوا أول الداعمين في كل المجالات، في الحرب والسلم، في إرسال المقاتلين الكويتيين ومشاركة الجيش رسمياً في المعارك، في الإغاثة والمساعدة، في السياسة والديبلوماسية، وفي الموقف العربي الجامع الذي اعتبرناه الرئة التي تتنفس منها القضية... وقلائل مَن فهموا لماذا كانت الكويت «تقاتل» بشراسة من أجل توحيد الرؤى بين دول المنطقة كي لا يطيل الانقسام طريق العودة.
ثم كانوا أول مَن احتضن منظمة التحرير الفلسطينية حيث انطلقت «فتح» من الكويت، وعاشت «الثورة» وزعماؤها حالة شراكة حقيقية واكبت كل معارك التحرير والعمل الفدائي... من التدريب إلى الرصاص إلى الحجارة إلى غصن الزيتون المرتفع على منبر الأمم المتحدة.
صباح الأحمد كان في قلب ذلك كله. هو امتداد لإرث حكامنا التاريخي ومسيرة الدعم المستمرة لخدمة القضية وأبنائها. أمانة في عنقه توارثها من المغفور لهم أحمد الجابر وعبد الله السالم وصباح السالم وجابر الأحمد وسعد العبد الله. وزوّد الشيخ صباح هذه المسيرة كلها بإضافات عركتها تجارب حضارية أوصلته إلى الزعامة الإنسانية.
قائد تليق به القيادة بكل مقوماتها، يميّز برؤيته وحكمته بين حق تاريخي وحالي ومستقبلي يتعلق بالقضية الفلسطينية وقدسها الشريف وبين موقف سياسي نافر ناجم عن قصر نظر أو كيدية أو نكران يطلقه هذا الفصيل أو ذاك في ظرف ما. ولذلك أعادت سياسته الحليمة أهل القضية إلى قضيتهم بعدما تاه عنها البعض في لعبة الأنظمة وتأجير الولاءات. وعندما استقبل محمود عباس معتذراً عن موقف منظمة التحرير خلال الغزو العراقي، رحب به كرئيس لفلسطين التي سكنت وجدانه لا كرئيس لتيارات ومنظمات وجبهات، وتحدث معه عن القدس التي يحلم بالصلاة في حرمها الشريف بعد زوال الاحتلال.
ثم يأتي مَن لا يعرف عشق المبادئ وأصالة القناعات ويقول إن مواقف الكويت الحالية من التطبيع وما يسمى صفقة القرن تغريد خارج السرب... يزعج رئيساً أو صهراً أو مستشاراً. صباح الأحمد لا يحتاج إلى شهادة أو تبرير، فهو الحليف الندي الصادق الذي يقول لحلفائه الرأي الذي يخدم العدل ويعزّز مصالحهم أنفسهم، لأن الكيل بمكيالين والانحياز الأعمى لإسرائيل لا يعزّزان حضور الحليف في المنطقة ولا يخدمان مصالحه، ناهيك عن أنه لا يقدم حلاً لأزمة عمرها عقود بل يزيدها اشتعالاً.
صباح الأحمد القابض على الحق في قضية فلسطين لن يعطي أحداً مواقف مجانية، ولن يبيع دماء أطفال غزة والضفة بوعود مالية دولية أو بتعهدات برفع حصار المعابر. لن يرضى بهدم جدار العزّ الكامن في قلب كل فلسطيني ليرتفع أكثر جدار الذل الإسرائيلي بين المناطق، ولن يتخلى عن القدس والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين.
في لقاءاته مع زعماء العالم كان الشيخ صباح يقول إن خريطة الطريق واضحة: انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967 تنفيذاً لقراري مجلس الأمن (242 و338) معززين بقرارات مؤتمر مدريد عام 1991 ومبدأ الأرض مقابل السلام، وقيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية... وبعد ذلك تتطبع العلاقات وفق مبدأ السلام الشامل.
هذه هي السياسة التي لم تغيرها الكويت، وصباح الأحمد يريد من العالم أن يفتح آفاقاً للحل أمام الفلسطيني الذي يجد نفسه محشوراً بين أن يكون قتيلاً أو شهيداً. والأجدر بمن تفاجأ أن يتفاجأ بمواقف الآخرين لا بمواقف الكويت، لأن المنطقة لا تحتاج حمامات دم جديدة لتبيان نجاح سياسة وفشل أخرى... ففلسطين ليست حقل تجارب وأهلها ليسوا ميدان رماية.

«الراي»

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي