خواطر صعلوك

إعلان مجاني للمحجبات ... هذا الرجل تحجّب!

تصغير
تكبير

عندما أراد أن يقتل الوقت بطريقة مسلية أمسك الرجل المستنير بهاتفه وكتب في مواقع التواصل الاجتماعي: «أنا لا أقبل طلبات صداقة من المحجبات، حجاب الرأس يعني حجاب العقل»، كتب الرجل هذه التغريدة وكان يتوقع أن العالم العلماني كله سيصفق له حتى تدمى يداه، ولكنه في الواقع قال له:
- إن هذا لا يعتبر رأياً وإنما إقصاء مبني على أساس عنصري.
وعندما لاحظ أن المحجبات لم ينزعن حجابهن من أجل صداقته، أطفأ شمعة عيد ميلاده الثامن والسبعين وارتدى بنطاله على عجل، وترك هدايا أحفاده خلفه وجرى إلى معرض الكتاب الدولي في القاهرة وهو مبهور الأنفاس لكي يصرح بردة فعله، ليجد المذيع في انتظاره والكاميرا في وضع التشغيل... وقف عابسا ثم قال:


- الحجاب ظاهرة غير حضارية ويجب أن تختفي، إذا أردنا ان نسير نحو المستقبل علينا أن نتبنى معايير جديدة نحو مسيرة المستقبل، نحن أمة تلتفت نحو الماضي ولا تلتفت نحو المستقبل...الحجاب يجب أن يختفي!
هكذا فجر الكاتب والمفكر والباحث في المثيولوجيا وتاريخ الأديان فراس سواح هذه العبارة، من دون أن يرف له جفن أو يهتز له إصبع... لقد لمم الرجل قناعاته وأغلق عليها في حقيبة سفر حديثة سويدية الصنع!
 حتى الحركات النسوية باغتها التصريح والتعميم الذي أطلقه الرجل، ولم تنبس ببنت شفة، وأصابها ذهول الأميركيين عندما ضرب اليابانيون ميناء بيرل هاربر، حيث لم يغرق الرجل تسع عشرة سفينة من الأسطول الأميركي فحسب، بل أغرق كل المحجبات في الجهل والظلام والرجعية والتخلف!
حدث كل ذلك بعد أكثر من أربعين عاماً من الود تجاه التاريخ والتراث الروحي، ونشر 26 كتاباً عن التاريخ والأساطير والأديان، والسماح للمحجبات أنفسهن أن ينقحوا له كتبه ويصححوها لغوياً ويصححوا أخطاء النقل من الكتب الأخرى، وبعد كل الطعام الذي التهمه على طاولة التاريخ والتمجيد فيه في المقابلات والندوات، قرر أن يتنكر له، لقد حدث ذلك في نهاية المطاف، حتى إن حاكم بابل وملك مملكة آشور وحاجبه الشخصي بكوا حتى تورمت أعينهم وهم نائمون على صفحات ما سطره الرجل.
الرجل، الذي كان يسير في شوارع بكين، ويصرح في مجلات دبي حول ضرورة فهم الذات من خلال تمثل تجارب الماضي وفهمها، من أجل معرفة من نحن وإلى أين نسير، الأمر الذي يساعدنا على رسم دور محدد لنا في المسيرة الحضارية للبشرية، وتصوُّر لنا مكاناً في مستقبلها. أصبح الآن يسير في شوارع القاهرة وهو يلعن التراث والتاريخ... والحجاب! هذا ما وصل إليه الأمر، وهذا ما حملته الإِبل من بكين.
من العسير أن أقرر هنا ما إذا كان هذا البروفيسور أكثر تميزاً في كتابته عن أهمية التاريخ أم في تنكره له، ولكن بالتأكيد أنه نال الشهرة التي يسعى لها حيث انتشر مقطع الفيديو، الذي يلعن فيه الحجاب بسرعة أكبر من أكثر كتبه مبيعاً.
شيء آخر يدعو إلى الدهشة... هل يجوز لباحث في التاريخ والأديان أن يسمي الحجاب «ظاهرة»؟ ما هو تعريف هذا الرجل للظاهرة؟ هل وجود الحجاب بين المؤمنات والأمهات ظاهرة أم الدعوة لخلعه وهجره، تحت مبررات هرائية هي الظاهرة؟
ما هذه الجرأة في التعميم؟
إن العدالة تصرخ وهي مصلوبة ومقطعة أيديها وأرجلها من خلاف، في هذا التعميم الذي أطلقه الرجل... حجاب الرأس هو حجاب العقل، هل هذا ما وصلت إليه بعد كل ذلك؟
عزيزي القارئ قد يبدو هذا المقال ساخراً، ولكن صدقني ليس الأمر كذلك، فالسخرية ليست دائماً دليل الكراهية أو عدم الاحترام، كما أن الجدية ليست دائماً دليل الاتزان والعدل.
فهناك فرق كبير بين امرأة أرادت أن تحجب شعرها تعبداً لله، ولكنها تتفاعل وتتقبل الجميع، وبين رجل قرر أن يحتجب عن الآخرين، كُرهاً وبغضاً في اختياراتهم.

@moh1alatwan

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي