من المفاهيم الخاطئة والشائعة في المجتمع الأكاديمي الكويتي، أن عضو هيئة التدريس - المنتسب إلى مؤسسة تعليم عالٍ - يجب أن يكون لديه رصيد جيد من الأبحاث المنشورة في مجلات مرموقة. هذه الفكرة الخاطئة رسّختها المؤسسات الأكاديمية من خلال اعتبارها الإنتاج العلمي المعيار المفصلي في لوائح ترقية الأكاديميين المنتسبين إليها، مما ساهم في انشغال الأكاديميّين بالأبحاث العلمية على حساب التزاماتهم الأكاديميّة الأخرى. فالأبحاث العلمية، وإن كانت من المعالم والمهام الرئيسة للمؤسسات الأكاديمية، إلا أنها مسؤولية كفائية وليست عينية على كل عضو هيئة تدريس.
لقد اقتبست هذا الرأي «الغريب» على مجتمعنا الأكاديمي من وحدة أبحاث أنظمة الطاقة التابعة لقسم الهندسة الميكانيكية في جامعة ستراثكلايد البريطانية، التي عملت فيها خلال سنوات بعثتي الدراسية للحصول على شهادة الدكتوراه. حيث لاحظت تباين ساعات التدريس بين أعضاء الوحدة والقسم. ثم تبين لي لاحقاً أن في الجامعة ثلاث فئات من أعضاء هيئة تدريس، وهي: مدرّسون، باحثون، وأكاديميّون. وعلمت أن لكل فئة من الفئات الثلاث، خط ترقية موازيا لخطّي الترقية للفئتين الأخريين. وجميع خطوط الترقية تنتهي عند الدرجة المالية العاشرة.
وقبل سنوات قليلة، تمت إضافة فئة رابعة من أعضاء هيئة تدريس، تضم المعنيين بتبادل المعرفة، من أجل تعزيز فرص التعاون بين الجامعة وبين المؤسسات المناظرة وغير المناظرة لها. وأيضاً خصص لهذه الفئة خط ترقية أكاديمية رابع يحاذي الخطوط الثلاثة السابقة، وينتهي بالدرجة العاشرة بمسمّى «زميل تبادل المعارف رئيسي» (Principal Knowledge Exchange Fellow). ولكن يبدو لي أن هذه الفئة ليست شائعة في الجامعات البريطانية.
من الواضح أن الجامعات البريطانية لجأت إلى توفير ثلاث أو أربع فئات من أعضاء هيئة تدريس، من أجل مضاعفة كفاءتها ومواردها المالية، من خلال تعزيز قدرتها على استقطاب عملائها من الطلبة والدارسين، وعبر تلبية احتياجات أفراد المجتمع ومؤسسات القطاعين الحكومي والأهلي. كما أنها من الناحية الأخرى، استجابت للتباين في القدرات والاهتمامات التدريسية والبحثية لدى أعضاء هيئة التدريس.
فنجد أن المهام المنوطة بفئة الباحثين جلها في الأنشطة البحثية، وأما الأنشطة التدريسية المطلوبة منهم، فهي محدودة وتبدأ بالمساعدة في الإشراف على مشاريع الطلبة بالنسبة للباحثين على الدرجة المالية السادسة، وتتطور إلى الاشراف على مشاريع الطلبة البحثية لطلبة الماجستير والدكتوراه، والمساهمة بالتدريس في برامج القسم العلمي بالنسبة للباحثين في الدرجتين التاسعة والعاشرة. والباحث على الدرجة العاشرة يسمى «زميل أبحاث رئيسي» (Principal Research Fellow).
وأما فئة المدرّسين، فمهامهم البحثية محدودة وغالباً مرتبطة بتحسين منهجية وبيئة التعليم والتعلم، من خلال مشاركتهم في البحوث التربوية، على سبيل المثال. ولكنهم في المقابل، مثقلون بمهام تدريسية داخل وخارج قاعات المحاضرات. فإلى جانب الأنشطة المرتبطة بإلقاء المحاضرات وإعداد الاختبارات وتقييم أداء الطلبة وتقديم تقارير بشأن التطور في تحصيلهم العلمي، نجد أن المدرسين المخضرمين مسؤولون عن استحداث وتطوير المناهج والبرامج الدراسية، كما أن مسؤولياتهم تتضمن مهام مرتبطة بالاعتماد الأكاديمي. والمدرس على الدرجة العاشرة يسمى «زميل تدريس رئيسي» (Principal Teaching Fellow).
وبالنسبة لفئة الأكاديميين، فهي الفئة الوسطى بين فئتي الباحثين والمدرسين، وهي الفئة المعتمدة في مؤسسات التعليم العالي المحلية. هذه الفئة مطالبة بمهام بحثية دون المطلوبة من فئة الباحثين، وبمهام تدريسية أقل من المطلوبة من فئة المدرسين. والأكاديمي على الدرجة العاشرة يسمى «أستاذ دكتور» (Professor).
ما يهمني في هذا المقال، هو تطوير مفهومنا لعضو هيئة التدريس في مؤسسات التعليم العالي المحلية، على غرار نظيراتها البريطانية، حتى نتمكن من تنمية سعة وقدرة مؤسساتنا الأكاديمية في تلبية احتياجات عملائها: الطلبة، والمجتمع، وسوق العمل، ومؤسسات القطاعين العام والأهلي.
قد نختلف في حاجتنا لفئة باحثين في مؤسساتنا الاكاديمية، ولكنني أجزم بأننا بأشد الحاجة إلى استحداث فئة مدرسين، خصوصاً في الكليات التطبيقية، لكي نتمكن من جسر الهوة بين مخرجات التعليم العالي وبين حاجة سوق العمل والاقتصاد الوطني.
الجهد المطلوب لإحداث طفرة في مناهج وبرامج مؤسساتنا للتعليم العالي، جهد كبير جداً، غير مثمّن في لوائح الترقيات الأكاديمية، وسيشغل الأكاديميين عن إجراء ونشر أبحاث علمية، ما قد يؤخر ترقيتهم. لذلك هناك حاجة لاستحداث خط ترقية مواز للخط الأكاديمي الحالي، وتنقيح اللوائح الحالية لتشجيع المشاركة في أنشطة تطوير البرامج واعتمادها أكاديمياً... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».
[email protected]