خواطر صعلوك

إلى سيدة فقدت توازنها!

تصغير
تكبير

هل تعلمين يا سيدتي أن التحية التقليدية لشعب الزولو في جنوب أفريقيا هي «ساوبونا»، وتعني «أنا أراك»!
سيدتي... ساوبونا.
بالتأكيد أنك تحبين الرسم والرقص والغناء وكسر القيود والتابوهات، وإطلاق النكت تجاه المقدس والضحك حتى الاستلقاء على قفاك، وإطلاق ذاتك والطيران حتى التعب... ولكن كان عليك أن تنتبهي إلى تضخم «حقوقك» النفسية اللامحدودة، والتي جعلتك تطالبين بتعميمها، بغض النظر عن السلوك أو الخيارات أو الممارسة الاجتماعية.


 تعتقدين أن معظم النساء في وطنك يعانين من ضعف توكيد الذات وإثباتها... يعشن في مجتمع ذكوري منافق ونتن ومتلون، يعشن نصف حياة لإخفاء رغباتهن، وأن أنسب طريقة للخلاص هي التصرف كما تتصرفين... والهروب من واقع أفقدك توازنك في أول مواجهة معه، فألقيت شعلة التنوير هروباً إلى الحرية المتجسدة في خيالك هناك.
اعتزازك المبالغ بذاتك... أفقدك توازنك، فكان ينبغي أن تبتلعي قليلاً من الحبوب المهدئة بدلاً من تعميم ممارسة اجتماعية وفلسفة، يصبح كل شخص فيها غير مسؤول عما ينتجه أو يكتبه أو يقوله أو يمارسه.
فعندما أكون في عمر الأربعين وألقي النكت تجاه المقدس في المجال العام، فيجب أن أفكر أيضاً في الأبعاد والمساحات التي قد يأخذها ابن العشرين من ممارسات مشابهة.
إن فقدان قيم مهمة مثل التوازن والإنصات - والتي تدعو لها الليبرالية ذاتها - جعل من المنظرين لها في الخليج عبارة عن مجموعة من السياح الأجانب، الذين يتجولون بين المعارض والبيوت والمعابد والقبور والمجتمع المدني والشوارع، وهم يرتدون سماعات الأذن مع خاصية مانع الضوضاء، ليثبتوا لنا ولأنفسهم بما لا يدع مجالاً للشك أنهم يسيرون بيننا من دون أن يسمعونا، بل هي رحلة نضال من أجل التقاط الصور وإخراج ألسنتهم للمارة من دون أن يقولوا للآخرين «ساوبونا» تحية الشعوب البدائية الأكثر تحضراً!
سيدتي الليبرالية جداً والمتحررة من كل شيء عدا تصوراتها وقوالبها عن حرية الرأي والتعبير والنرجسية - التي تنظر بها لذاتها فقط من دون مراعاة أيضاً - كيف ينظر لها الآخرون من خلال معايير قيمية متفق عليها أثبتت أنها ليست من الزبد الذي يذهب جفاء، ولكنها مما يمكث وينفع الناس في الأرض... يقولون إن الوصول إلى أقصى وأكثر الحالات تطرفاً يصبح عديم المعنى والجدوى، إذا كان أقصى ما يمكن الوصول إليه في المتناول بالفعل.
صدقيني... فإن نساءنا وبناتنا يرقصن ويرسمن ويلعبن ويعبّرن عن آرائهن ملء الشاشات والصحف والواتس أب والسناب، ويرتدين ما يشئن، ويقرأن ما يشئن، ولكنهن يعرفن أين ومتى ولمن وأين ولماذا؟ والإجابات عن هذه الأسئلة بالنسبة لهن ليست قيداً اجتماعياً أو دينياً، بقدر ما أنها جزء من هويتهن والتعبير عن ذواتهن وامتداد الأصالة والمعاصرة فيهن.
وإذا كان هناك مشاكل ومعوقات تتعلق بالمرأة فالأصل أن نقدم البدائل والحلول، وليس الشتم والتسفيه وحرق الجسور. الأصل أن نقول كلمتنا بلطف ونقف لنسمع لا أن نقول كلمتنا ونمش بغرور.
أما الحق في إبداء الكلمة - حتى لو انتهكت مقدسات الآخرين، ثم إذا اتخذوا ردة فعل تجاه ذلك نتهمهم بأنهم متخلفون ورجعيون ومجتمع سفيه برجاله ونسائه وبعد ذلك نستمتع ونحن نرسم طيور الحرية على جدران الجيران... كل هذا هراء يخلط بين الخاص والعام، وفقدان التوازن الذي ينقص صغار الثوار الأحرار عندنا، المهووسون بالدفاع عن إبداء الرأي وحق الكلمة، أصحاب الغفلة في الالتزام في كيفية الإبداء ووعي الكلمة.
كيف نصدق أن الليبرالية خطاب أخلاقي عالمي، ثم وقت التطبيق تتحطم أقوى المبادئ على صخرة الواقع، فيظهر المنتسب لها على المنصة أحياناً، وهو لا يفتقد للحقائق بقدر ما يفتقد للذوق في الطرح أمام مجتمع يتلقى، ولا تنقصه الصراحة بقدر ما ينقصه الاتزان أمام شريك يستمع، يقف على المنصة وهو مخلص لمبادئ الفكرة التي يسعى من خلالها على توكيد ذاته ولكن تنقصه مهارات التطبيق والممارسة، فيصبح من الواقعين تحت قبضة النظرية.
النظرية التي لا تؤمن بأن الممارسة الاجتماعية للمبادئ التي تنادي بها والمشاركة مع كل الفئات في الحوار وليس المناظرات، هي قيم في حد ذاتها كالحرية والتسامح... أي خطاب ليبرالي لا يراعي هذا سيظل خطاب أقلية ونزهة قصيرة بين حقول البن والتبغ وشواطئ كاليفورنيا أو منتجعات كندا، حتى لو بعد مئة عام أخرى.
لم يكن هذا المقال من أجل زيادة ألم سيدة فقدت توازنها، ولكنه مرافعة دفاع عن مجتمع متهم أنه سفيه.

@moh1alatwan

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي