رؤية ورأي

المجلات العلمية المشبوهة

تصغير
تكبير

نشرت إحدى الصحف الالكترونية، قبل أيام، تحقيقاً صحافياً حول لجوء بعض الأكاديميين والباحثين الكويتيين إلى نشر بحوثهم وأوراقهم العلمية في مجلّات إلكترونية علمية تابعة لمؤسسة نشر تجارية صينية مشبوهة. ونظرا لخطورة هذا الادعاء على سمعة الجسد الأكاديمي الكويتي، قررت التحقق من دقته من حيث المبدأ والكم.
بعد البحث في شبكة الانترنت، تبين لي أن مؤسسة النشر المعنية، لديها عنوان بريدي في الولايات المتحدة، ولكنها تدير مجلّاتها الإلكترونية على شبكة الانترنت من الصين.
وأنها تتقاضى مبالغ مالية تصل في إحدى مجلاتها إلى 1300 دولار مقابل نشر بحث علمي واحد. وحالياً تدير ما يزيد على 200 مجلة علمية في مجالات كثيرة، من بينها العلوم والتكنولوجيا والإدارة والاقتصاد والطب. كما تبين لي أن ما يزيد على 60 بحثاً علمياً كويتياً قد تم نشرها في مختلف مجلات تلك المؤسسة الصينية المشبوهة.


لم تحظ الفضيحة الحالية بالزخم الإعلامي نفسه الذي حصلت عليه فضيحة نشر أبحاث وأوراق علمية عبر مؤسسة نشر هندية مماثلة، ولم تستقطب اهتماماً من السياسيين ولا من المعنيين والمهتمين بجودة منظومة التعليم العالي.
ومن باب المثال على التباين في ردود الأفعال، تكفي الإشارة الى أن جامعة الكويت شكلت لجنة تقصي حقائق للتحقيق حول ما جاء في إحدى الصحف اليومية، بشأن نشر 84 بحثاً علمياً من الكويت في مجلّات مؤسسة النشر الهندية، ثم أتبعتها بتصريح عدم الاعتداد بتلك الأبحاث في الترقيات. في المقابل، لم أطّلع حتى اليوم على رد فعل أو تعقيب رسمي على فضيحة المؤسسة الصينية.
من الأمور المستغربة بين الأكاديميين، أن جهود التصدي للنشر العلمي المشبوه طابعها فردي، من حيث الأطراف المتصدية ومن حيث الملفات المستهدفة. أي أن المجتمع الأكاديمي يفتقد الجهود المؤسسية النابعة من الأطراف الرئيسة في منظومة التعليم العالي الكويتية. فقضية دور النشر العلمي المشبوهة أكبر بكثير من المؤسستين المشبوهتين: الهندية والصينية. فإحدى قوائم مؤسسات النشر العلمي المشبوهة، وهي القائمة التي أنشأها أمين مكتبة جامعة كولورادو، السيد جيفري بيل، على مدونته في عام 2008، تضمنت 923 مؤسسة نشر مشبوهة، قبل أن يضطر إلى إلغائها في عام 2017، استجابة لتهديدات برفع دعاوى تشهير ضده، ولشكاوى قدّمت ضدّه في جهة عمله.
فرغم فداحة الأزمة، إلا أن الجهات المعنية بالتعليم العالي في السلطتين التنفيذية والتشريعية، ما زالت في مرحلة مراقبتها وتقييم مدى استشرائها في مؤسسات التعليم العالي. ولكنها للأسف شبه عاجزة عن التصدي لها، لأسباب عدّة من بينها تعاظم البعد السياسي في منظومة التعليم العالي، وتفوّق مؤسسات النشر المشبوهة على اللوائح المرتبطة بالنشر العلمي في منظومة التعليم العالي المحلية.
في البعد السياسي، هناك أكاديميون يرفضون تشديد الإجراءات ضد دور النشر المشبوهة، لأسباب متعددة لا مجال لعرضها في هذا المقال. وبعض هؤلاء الأكاديميين لهم علاقات متميزة مع بعض النواب المتبنّين لملفات التعليم العالي، ولذلك نجد التناقض بين هوية بعض النواب وبين أدائهم في ملفات الفساد الأكاديمي.
وأما تفوّق مؤسسات النشر المشبوهة، فله العديد من الشواهد ومن بينها قدرتها على استيفاء المواصفات والمعايير العامة المطلوبة لاعتماد المجلات العلمية في عدد من لوائح الترقيات الأكاديمية. لذلك نجد أن عدداً من المجلات التابعة لدور نشر مشبوه، كانت أو لا تزال من ضمن المجلات المعتمدة للترقية الأكاديمية، في عدد من مؤسسات التعليم العالي.
المراد، هناك قناعة شبه مشتركة بين الأكاديميين بأن التصدي لهذه المؤسسات المشبوهة يتطلب الفحص الدقيق والتحري الدوري من قبل لجان أكاديمية، مخصصة لاعتماد دور النشر والمجلات العلمية، ليس لغرض الترقيات الأكاديمية فقط، بل لعموم النشر العلمي. على أن يكون عمل تلك اللجان وفق إجراءات بسيطة معلنة، تراعى فيها معايير الشفافية والنزاهة.
لذلك أدعو مؤسسات التعليم العالي - التي ليس لديها لجنة مخصصة لاعتماد دور النشر والمجلات العلمية - إلى سرعة انشاء تلك اللجنة. وفي الوقت نفسه أدعوها إلى إصدار قرار عاجل بإضافة شرط أن تكون المجلة العلمية الإنكليزية مشمولة في قاعدة بيانات (scopus) لكي تعتمد أكاديميا للترقية ولخلافها، وذلك للأوراق العلمية التي تنشر بعد تاريخ اصدار القرار. وأما الأوراق العلمية السابقة للقرار، فأمرها يحول إلى لجنة متخصصة لدراسة البعد القانوني والأبعاد الأخرى لها... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي