رؤية ورأي

النزاهة والشفافية والمسؤولية القانونية في الترقيات الأكاديمية

تصغير
تكبير

قبل ثلاث سنوات، تناولت في مقال عنوانه «ترقيات أكاديمية كرتونية»، أزمة الفساد في الترقيات الأكاديمية، في الكليات والجامعات المنعزلة أو الضعيفة في ارتباطها بسوق العمل والمجتمع. وأوضحت أن مظاهر الأزمة لم تقتصر على تمرير واعتماد طلبات ترقية هشّة، بل تمادت إلى عرقلة وصد طلبات ترقية متينة أكاديمياً ومستحقة لائحياً.
واختتمت ذلك المقال باقتراح تشكيل فريق عمل يتبع مدير المؤسسة الأكاديمية أو نائبه، تكون له ثلاث مهمات رئيسة. المهمة الأولى هي التدقيق الأكاديمي واللائحي على اعمال لجان الترقيات ولجان تظلمات الترقيات، من أجل إصدار تقارير سنوية سرية تعرض على الإدارة العليا للمؤسسة. والثانية هي تقديم النصح والإرشاد للجان الترقيات من أجل تعزيز معايير النزاهة والشفافية في عملها، من دون الإضرار بمبدأ سرية المعلومات التي تتداولها، وذلك عبر استشارات شفهية مباشرة، وتأليف كتيّب حول أفضل الممارسات في لجان الترقيات يتم تحديثه كلما دعت الحاجة. والثالثة هي تنقيح لوائح الترقيات ومذكراتها التفسيرية، لمواكبة المستجدات والتطور في الجامعات المناظرة.
واليوم، أعود لأجدد ذات الاقتراح، لأنه تبين لي أن فساد منظومة الترقيات تفاقم ضرره، فأضعف الطاقة والقدرة البحثية التطبيقية، وتحديداً القدرة على تلبية احتياجات سوق العمل المحلي، من دراسات واستشارات علمية، ضرورية لمعالجة مشكلاته، ومفصليّة لتطوير منتجاته وخدماته. فالأكاديمي الكويتي، المتميز في البحث العلمي التطبيقي، وهنت دوافعه للاستمرار في عمل أبحاث علمية مرتبطة بسوق العمل.


فمن جانب، وجد الأكاديمي المتميز، أن مكاتب الاستشارات التابعة لمؤسسته الأكاديمية، إما أنها غير موجودة أو مغلقة، أو أن زملاءه الشاغلين للمناصب الاشرافية لديهم صلاحية استبعاده عن المشاركة في طلبات الاستشارة الواردة من سوق العمل. بل إن البعض منهم يقتنص لنفسه طلبات الاستشارة الذهبية، ذات المكافأة المالية العالية، رغم تعارضها مع مسؤولياتهم الإدارية الإشرافية.
ومن جانب آخر، وجد الأكاديمي المتميز أن زملاءه قد سبقوه في الترقية الأكاديمية، إما لأنهم اختاروا مسار الترقيات الكرتونية، أو لأنهم سلكوا مسار البحوث العلمية الافتراضية السريعة، متجنّبين الدراسات العلمية المتكاملة المتعلقة بمشاكل واقعية في سوق العمل.
لابد من التصدّي الفوري لظاهرة تردّي قدراتنا البحثية التطبيقية، لأنها تهدد قدرتنا على تحقيق رؤيتنا الاستراتيجية «كويت جديدة» في العام 2035. لذلك أناشد مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، بالتنسيق مع الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية، تنظيم ورشة عمل تجمع الجهات المعنية بالبحث العلمي - الجهات المنفذة والمستفيدة من الأبحاث - للخروج بخطة استراتيجية لاسترداد وتنمية قدراتنا الذاتية على تجنيد البحث العلمي في خدمة اقتصادنا الوطني وتعزيز استدامته.
وبشكل متزامن، أناشد مؤسسات التعليم العالي المحلية، تشجيع الأكاديميين الكويتيين - المنتسبين إليها - على تعزيز ارتباطهم بسوق العمل، وتوجيه انشطتهم البحثية لصالح السوق.
وهذا بدوره يتطلب إجراء عدة اصلاحات، من أبرزها اصلاح منظومة الترقيات الأكاديمية، لسببين رئيسين: الأثر المفصلي للدرجة العلمية في توزيع المهام بين الأكاديميين، والهشاشة اللائحية والإدارية والقانونية التي تعاني منها منظومة الترقيات أمام طلبات الترقية الأكاديمية الكرتونية.
ففي الجانب اللائحي، لوائح الترقيات في المؤسسات الأكاديمية تعاني - بدرجات متفاوتة - من معايير واشتراطات ضبابية غير محددة، وغالبا ما يتغير مفهومها بتغير أعضاء لجان الترقيات وخبراتهم. لذلك نلاحظ الاختلاف الشاسع في مستوى المجلات العلمية المعتمدة للترقية، بين كلية وأخرى في المؤسسة نفسها، بل حتى بين قسم علمي وآخر في ذات الكلية.
وأما في الجانب الإداري، قد تتباين آراء أعضاء لجان الترقيات حول قواعد عقد وإدارة الاجتماعات. فهناك تساؤلات عدة قد يتكرر طرحها في لجان الترقيات، من بينها: هل تُوثّق في محاضر اجتماعات لجان الترقيات تحفظات الأعضاء على القرارات أم لا؟ وإذا كانت تُوثّق، هل تسجل مبررات التحفظ أم يكتفى بتحديد عدد المتحفظين على القرار؟
وأما في الجانب القانوني، فلا بد من الإشارة الصريحة في لوائح الترقيات إلى نطاق المسؤولية القانونية على أعضاء لجان الترقيات عن قراراتهم، لأنها مرتبطة بتبعات وآثار مالية، إما على المال العام أو على حقوق المتقدم للترقية.
منظومات الترقيات الأكاديمية المحلية بحاجة لجرعات مستعجلة من النزاهة والشفافية والتوعية بالمسؤولية القانونية. وحيث إن حالة بعض المنظومات تتطلب عناية فائقة لمدة طويلة، لذلك أجدد دعوتي لتشكيل فريق العمل، الذي أشرت إليه في مقدمة المقال... «اللهم أرني الحق حقا وارزقني اتباعه».

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي