أكثر ما يؤزم المسؤولين ويربكهم تلك المشكلات التي تقع داخل مؤسساتهم، سواء كانت مخالفات وتجاوزات قانونية أو استغلال الموظفين لمناصبهم في إصدار قرارات غير متوازنة أو نهب وتنفيع وانتفاع غير مشروع، أو منافسات غير رشيدة بين الموظفين على المناصب أو صراع الكتل في احتكار قطاعات معينة.
وتزداد أزمة المسؤولين إذا كانت مشكلات منسوبي وزارتهم ذات صلة مباشرة مع المجتمع وفي مرمى الإعلام.
ومثال ذلك ما حصل عندنا في الكويت الأسابيع الماضية، عندما دب الخلاف وعلت الأصوات بسب توقيف «الأوقاف» الخطيب فهد الكندري بعد خطبته التي ضمنها أبياتا شعرية في مدح النبي الأكرم للبوصيري.
واستغرب البعض لماذا لم تكن لي مشاركة وموقف معلن في هذا الموضوع الديني المحض والواضح؟!
والحقيقة أنني كغيري رصدت التداول الإعلامي والنخبوي والشعبي للموضوع، ورأيت كيف أن قضية توقيف الشيخ الخطيب وجدت فيها بعض الأطراف فرصة لخدمة أجندتها الخاصة واستدعاء الصراع الكامن إلى العلن فشهدنا الاستغلال الطائفي، والإقصاء الحزبي، والتوسع في التبديع، والتحريض الأمني وغيرها مما لا يليق بمن ينتمي إلى جسد الدعوة...
في ظل هذه الأجواء المشحونة والقصف المتبادل تراجع البُعد الأهم وهو:
التحقيق العلمي الرصين.
في هذه الأجواء أرسلت رسالة خاصة لوزير الأوقاف حينها الدكتور فهد العفاسي أنقلها بالنص:
«السلام عليكم دكتور فهد
وأسعد الله مساءك، أعلم أن مشكلات الوزارات لا تنتهي وأسفت على التصعيد الحاصل بسبب توقيف الشيخ فهد الكندري.
وكان المطلوب معالجة الموضوع بهدوء وبإجراء روتيني معهود وذلك باستدعاء الشيخ ومحاورته في ما قال - بصرف النظر عن«مع» أو«ضد»- وسماع وجهات النظر والتوافق على حل ودي...
فهؤلاء كلهم يمثلون جهة دينية ليس من اللائق أن يظهروا بهذا المظهر الخلافي الحاد.
ومن ثم فتح المجال لاستغلال البعض لهذا الموقف وتوظيفه لأجندات بعيدة.
أخوك
الدكتور محمد العوضي».
كتبت هذه الرسالة وأنا مشغول باختبارات الطلبة الذين يزيد عددهم على 300 طالب، والتجهيز للملتقى الأول لمركز «رواسخ» الفكري والمقرر في يوم الاثنين 2018/12/24 في «الريجنسي».
اتصل بي الوزير المتواضع، والذي تربطني به وبآل العفاسي روابطة أخوية وتاريخية.
وطلبت لقاءه لتداول ثلاث مسائل:
الأولى: كيف نحل مشاكلنا وخلافاتنا في المؤسسات الدينية التي يفترض أن تكون قدوة للآخرين، لأن الحدث «الخطبة والتوقيف»، كان دراميا بشكل يدعو للرثاء وأساء للتدين بشكل واضح.
فقال الوزير: بل إن صدى الحدث تعدى من البلد إلى إحراجات وتداولات خارج الكويت!
وكلام الوزير صحيح فلقد شاهدنا قنوات مثل «روسيا اليوم» و«البي بي سي» وغيرهما تعلق على هذا المشهد بغرابة.
المسألة الثانية: وجهت للوزير بطاقة دعوة خاصة لحضور ملتقى «رواسخ» الفكري الخاص بموضوع الهجمة الموجهة الشرسة على التوحيد والذات الإلهية والقرآن والسيرة النبوية وأصول الدين لكوني الرئيس التنفيذي للمؤسسة.
المسألة الثالثة: اقترحت على الوزير فكرة «الخطيب المتجول أو المتنقل»، كأن يخطب الإمام كل شهر في مسجد وينتقل بعدها إلى مسجد آخر، وتتم دراسة الموضوع في المحافظات، ويكون هذا القرار مقترحاً اختيارياً، وذكرت ما لهذا من تنوع في الخطاب وإعطاء فرصة للخطيب بأن يتقن مادته ويحضر مواد أخرى في وقت مريح وسعة، واستفادة جماهير المصلين من تنوع الخطباء ومستوياتهم وما يحسنونه من موضوعات.
كما أني أبديت استعدادي أن أتنقل في مساجد الكويت من النويصيب والخيران إلى الجهراء والعبدلي.
ولكن بعد لقاء معاليه بأيام صدر مرسوم التغيير والتدوير الوزاري، فانتقل معاليه إلى وزارة أخرى.
وأسأل الله أن يوفقه أينما حل وزيراً... وأن يسدد أخاه الوزير الجديد للأوقاف فهد الشعلة لما فيه تطوير الوزارة وملحقاتها بما يحقق الصلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة.
@mh_awadi