خواطر صعلوك

الإعلام الشبابي في عالم سائل!

تصغير
تكبير

في الوقت الذي نعيش فيه بقيم ومبادئ وطرق عمل الرأسمالية ونمط حياتها، نجد أنفسنا نعيش ضمن مجتمع آخر معلوماتي ترابطي وتشاركي وتفاعلي يتمثل بشكل أساسي في ما وفرته التكنولوجيا الحديثة من وسائل، بدءاً من «الويب» بكل ما يحمله من نماذج بيع بلا وساطة وعلاقة جديدة بالإعلام المرئي والمكتوب، والعلم من قواميس ومعاجم ومقالات وطرق ترفيه مجانية كالموسيقى والأفلام وروابط ومشاركات وتبادلات مع الغير وغنى في التطبيقات الشبابية على كل المستويات ومجانيتها وإمكانياتها... وانتهاء بـ«الوتس أب» في اليومي والتفاصيل الصغيرة، ونقل الأصوات والصور والملفات وتطور العلاقات الأفقية بين الأشخاص.
إنه عالم سائل ومتشابك ومتعالق من صنع الشباب أنفسهم حسب إحصائيات تقرير مواقع التواصل الاجتماعي لعام 2018.
تقف الآلة الرأسمالية مذهولة وهي تحدق في وسيلة الإنتاج الجديدة، التي أفرزتها الثورة الصناعية الثالثة، وهي تعلم جيداً أنها خسرت الاحتكار هذه المرة، وفقدت بوصلة رسم المسارات المهنية، التي كانت تعيد تشكيلها باستمرار في كل مرة يطرأ جديد على الواقع الإنساني.


وبعد أن أعلن سارتر باكياً - وهو على فراش الموت - أن الإنسان ضل طريقه، ها هو الآن - وهو ميت - يخرج لسانه من قبره للوجود والماهية معا، وتحتفل مدرسة فرانكفورت النقدية بهذه الوسيلة التي يشتم فيها هابرمارس شيوع المعلومات ومجانيتها وصناعتها بشكل تشاركي عشوائي تراكمي مبدع وخلاق، قائم على الاهتمام وليس على ما يفرضه آخرون.
ولا شك أن وسيلة الإنتاج هذه ليست محايدة، فهي تفرض علينا وعلى أبنائنا بيئة معيشية فاقدة للسياق واستغراق في تتبع الآخرين، وشكل من أشكال الاحتجاب والفردانية أيضاً، ولكنها تحولت إلى فردانية مرتبطة بالآخرين وتتفاعل معهم وتهتم بآرائهم وتوجيهاتهم، وتلقي بالاً كبيراً واحتراماً لأرقام المشاهدة وعدد المعجبين والرتويت والفعل الرقمي... فالفنانة والكاتب والرئيس والتاجر وشيخ الدين والملحد والمفكر والكوميدي، وذلك الجالس في مقهى من الدرجة العاشرة...الجميع يقدم ذاته في المواقع الاجتماعية وهو يقبل الولوج الرقمي في محتوى يصنعه الجميع.
محتوى لا يتطلب شيئاً سوى السبابة والإبهام غالباً وشاحن كهربائي دائماً، محتوى قد يجعل البعض يلطم على وجهه وهو يحذر من هدر دم نخبوية الثقافة، وخطورة إعادة تشكيل سوقية وغوغائية للمشهد الثقافي.
ولكننا أيضاً علينا أن نتساءل حول كل المزايا التي قدمتها هذه الثورة الثقافية، والتي أظهرت لنا ثقافة «الشباب» وذوقهم ورغبتهم الحادة في موائمة الأحداث الجارية حول العالم كله، وهوس المشاركة والتفاعل وتوثيق سيرة ذاتية عبر الشبكة.
وفي ظل ثقافة سائلة بهذا الشكل، علينا أن نتساءل حول شكل «الإعلام الشبابي» الذي من الممكن أن يجاري هؤلاء الشباب، هل هو إعلام يعمل عليهم أم معهم أم بينهم؟ من الذي يصنع محتواه وأجندته؟ وما هي المساحات التي يخلقها لهم؟ وإلى أي مدى هو إعلام ليس مستخدماً فقط ومتداولاً لمحتوى شبابي، ولكنه منتج وفاعل وفعال في وسائل التواصل الاجتماعي لمحتوى شبابي وصانع للغة خطاب مشتركة، وبناء قدرات الإعلاميين الشباب وقادر على رصد وتحليل الحالة العامة وتقديم البدائل والفرص الممكنة.
وفي الوقت الذي نعاني فيه من ندرة الدراسات الوصفية أو التحليلية أو حتى الاستشرافية لأكبر شريحة سكانية وهي فئة الشباب، نجد الفعل الشبابي يحيط بنا سواء في الإنترنت وعوالم السوشل ميديا أو حتى الحشود والثورات وفي عوالم الدولة والاقتصاد.
أحد أشكال هذا الفعل الشبابي ودلالاته على مستوى الأدب أن القارئ الشاب لم يعد يولي اهتماماً لتوصيات النقاد المحترفين أو ذمهم تجاه الأعمال الأدبية، وأصبح القارئ يفضل على ذلك الدخول على موقع مثل «Goodreads» كشبكة اجتماعية تهتم بالقراءة وبتوصيات وآراء المستخدمين حول الكتب والمؤلفين، وهو يفضل الآراء التشاركية في العالم الرقمي على الفعل الفردي التخصصي المتمثل في الناقد أو صاحب المقال، ويفضل العيوب التي تروق له في السرد أو الحكاية على النموذج الذي يفرضه المتخصص أو الأكاديمي... إنه لن يمجد إلا ما يشارك فيه ويصنعه بنفسه في عالم سائل يتسم بسيولة الحالة ويتميز بأفق السؤال وليس الإجابات المعلبة.

@moh1alatwan

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي