خواطر صعلوك

مقالاتي التي لا تعجبُ أبي!

تصغير
تكبير

عندما بدأت كتابة هذه الفقرة كنت أعرف كيف سأبدأ هذا المقال ولكني لا أدري كيف سينتهي؟
إذا كان هناك رجل على وجه الكرة الأرضية يجعلني انفجر من الضحك، بينما ينتقد كل سطر أكتبه فهو أبي حفظه الله تعالى ورفع قدره ومقامه وجمعني به في الجنة على الارائك متقابلين.
وقد كتبت له ذات مرة في هذا العمود:


 صباح الخير على أبي الذي يقول لي دائماً: «احمد ربك ولا تتفلسف... ولا تكتب في السياسة»، فأرد عليه «إن شاء الله يبا... راح أكتب مسلسل تلفزيوني... قصة حب» ورغم ذلك فلا يبتسم.
يقول لي دعك من الكتابة عن الفساد والسياسة، واكتب عن القصص الإيجابية والمشاهد الجميلة في هذا الوطن!
ثم يضيف تعليقاً يجعلني أتوقف عن الضحك:
- الناس فيها اللي كافيها.
فضلا عن المناخ الخانق الذي لا يمكن الإفلات منه، في ما يتعلق بمسارات ما هو مسموح الكتابة فيه في الفضاء العام، أجد أبي وقد أخذ بتلابيبي لكي أدير وجهي نحو ما هو جميل ومعبر في هذا الوطن.
ولا شك أنه محق في ذلك.
ولذلك اسمح لي اليوم عزيزي القارئ أن أصالح الرجل الجميل بمقال أجرب فيه تقنيات الكتابة البعيدة عن كل ما قد يصيب الإنسان بالحزن والسلبية.
أبي العزيز كلنا في هذا الوطن بخير، وقد بدأنا للتو بتطبيق خطة تنمية أقسم المسؤولون عليها بأغلظ الأيمان أن تحقق نفسها بنفسها في أقرب وقت، من أجل إنهاء دولة الرفاه وإنشاء دولة اقتصاد المعرفة، وستحل الأزمة السكنية من خلال المدن الذكية التي تشرف عليها شركات تسلّم أعمالها بتأخير تراكمي، وسيتطور التعليم بالمنهج الوطني الجديد القائم على الإستراتيجيات، حتى ولو لم يتمكنوا من اكتشاف آلية حقيقية للتقييم والتقويم، وستصب الشوارع والجسور والوصلات بإسفلت أقسمَ المسؤولون عليه بالطلاق ثلاث مرات، لكي لا يتفكك أو يتحول إلى حصى في عيون الذي «لا يصلي على النبي»، كلنا بخير وهناك إجراءات قانونية لمحاربة التزوير في الجناسي والشهادات المزوّرة والحيازات الزراعية الوهمية، والعلاج في الخارج على الورق، وأصبحنا نحارب كل شيء، وكما ترى أيضا فقد أصبحنا نحارب الأصنام والمجسمات التجارية حفاظاً على التوحيد.
الجميع بخير يا أبي للدرجة التي جعلت كل مؤسسات الدولة تتكلم عن الحوكمة والشفافية وتحسين بيئة الأعمال وتفعيل دور المراقبة، وسيحصل معظم الموظفين على تقارير امتياز كما اعتادوا أن يحصلوا عليها من قبل!
وذلك الرجل الواقف على الضفة الأخرى من النهر رفع لنا لوحة مكتوب فيها «سأقضي على طيور الرخ، التي تلد صغارها فوق قمم الجبال والأشجار لكي تقتات على ما هو أسفل منها... إنها ثورة الإصلاح!» ونحن ننتظر.
صدقني يا أبي نحن جميعاً بخير في دولة بجامعة واحدة ومطار واحد وست مستشفيات... والباقي قطاع خاص.
أبي العزيز بالتأكيد، عندما يرى شخص الأشياء الجميلة في وطنه ويكتب عن ذلك بتفاؤل، بينما يرى شخص آخر الأشياء التي تحتاج إلى ذات اللمسة الجمالية فيكتب عن مكامن الخلل...في الواقع فإن الكاتبين بذلك لا يضعان الأمور في عربيتين مختلفتين، بل هو مسار واحد نحو وطن متماسك وجيل منتج ومجتمع حيوي.
ولكننا ماذا نفعل إذا كانت الحكومة تدعو على الفساد والمفسدين ولكنها تكره من يردد: آمين.
أحبك أيها الرجل الجميل... كما لم يحبك أحد سوى جدتي - رحمها الله.

@moh1alatwan

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي