إذا كنت من الذين ابتلاهم الله بمتابعة الأخبار السياسية، فلا بد أنك لاحظت أن منطقة «الشرخ» الأوسط تتعرض لعملية «خرق ديبلوماسي» لا مثيل له منذ ثورات «الربيع العربي».
كثير من العلماء الذين لا أذكر أسماءهم الآن استقرأوا التاريخ البشري منذ نشأة الأسرة، وتعلق الكرامة بالأرض والسلاح، وحتى نشأة الدولة وتعلق الكرامة بالوطن والمسؤولين، حيث يقولون إن عدد الحروب البشرية والقتلى قد بدأ يتناقص منذ إنشاء الدولة ككيان يحتكر العنف والثروة ويراعي الأعراف الديبلوماسية، رغم كل حروب القرن العشرين والواحد والعشرين، إلّا أنه يوجد حالياً 1.8 مليار شاب تتراوح أعمارهم بين 10 و 24 سنة في العالم، وهو ما لم يحدث من قبل على الإطلاق، بل وواحد فقط من كل عشرة يعيش في مناطق الصراع، وهذا يعني أننا - ورغم كل شيء - ما زلنا نعيش لحظة فيها تحسن على مستوى أننا ما زلنا أحياء على الأقل.
ولكي لا تدخل هذه الدول، التي تقوي أدوات العنف وتسعى لمزيد من الثروة، في حروب مع دول أيضاً تسعى للمنطق نفسه وربما تنتظر فقط أن يعطس أحد السفراء في وجهها لتشن حربا على شعبه، وتحرق أرضه وتشنق الباعة المتجولين في شوارعه أمام بوابات أعدت خصيصا للتشهير، وما أن تظهر الحقول المحروثة أمامهم حتى يشعلوا فيها النيران، وما أن يصادفوا الأطفال الرضع حتى يخطفوا الحليب من أفواههم... لكي لا يحدث هذا باستمرار، اخترع العقل البشري ما يعرف بـ«الأعراف الديبلوماسية» لأن البشرية لم تعد تتحمل أخطاء وأطماع وحمق قادتها!
في الواقع لا أعرف تفاصيل الأعراف الديبلوماسية أو الدولية، ولكني أتصور أنها تجليات الذوق في العمل السياسي، فإنها حتى في مفاوضات الأعداء الأبديين جعلت القائد الفلسطيني ياسر عرفات مثلا لا يقول للأعور الذي أمامه أنه «أعور في عينه» حتى لو كان موشى ديان شخصيا.
ويزداد خرق الأعراف الديبلوماسية، مع وجود الذين لا يكفّون عن ارتكاب الحماقة تلو الحماقة، حتى تنبعث منهم رائحة بيض السمك.
وفي الفترة الأخيرة زادت حالات الخرق بكثرة من أقصى الفيلبين، مرورا بإيران والخليج وسورية، ثم قارة أفريقيا حتى ممر كندا القطبي!
ولا شك أن سيد من يخرق كل شيء هو بابا الجناح اليميني في العالم كله التاجر الكبير والاستعراضي الماهر دونالد ترامب.
تعرض العرب لجرعة زائدة من الأعراف الديبلوماسية منذ عام 1990، حتى توسعت شرايينها في 2011، وشملت خطب المساجد ومقالات الصحف وبرامج التلفزيون العام والخاص، بل وحتى شبكات التواصل. الجميع عليه أن يراعي الأعراف الديبلوماسية، وسيادة الدول، وكل ذلك بعد أن رأى الجميع ماذا يحدث عندما يتم خرق أهم وأبسط عرف ديبلوماسي وهو «عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول»، وتجلياته التي ظهرت في أبهى صورها عند مليشيات «داعش» و«الحشد»، حيث تمت إعادة ترتيب رؤوس الموتى لكي تشبه طريقة عرض الحلوى الشامية والعراقية والليبية، في أسواق جنيف احتفالا بانهيار كيان الدولة.
قل للرجل الذي يوشوش في أذني ويجبرني على المواربة بدلا من الوضوح أن يصمت قليلا، وسأخبرك قصة جميلة قبل أن تنام مني في هذا العمود المفتوح العينين على حقيقة أننا في زمن أصبحت الإشارة فيه إلى خرق الأعراف الديبلوماسية هو خرق للأعراف الديبلوماسية.
سؤال من درجتين:
من قائل هذه العبارة؟
ليس كل الأخطاء يمكن تبريرها... هناك أخطاء قاتلة، ففي النهاية نحن لا نسعى إلى عالم يخلو من القتل، فهذا محال... ولكننا نسعى نحو عالم يخلو من تبريراته!
@moh1alatwan