سألت في إحدى المرات ما رأيك في ما وصل إليه الفكر الإنساني من تطور؟ وكان سؤالا صعبا للأمانة، فقد يحتاج هذا السؤال إلى مجلدات من الإجابة الوافية، بيد أنني أنظر إليه من زاوية ما يعني من الفكر وما أثَّر به على الإنسان من تطور أو تراجع، ما زال الفكر الإنساني يتدافع ما بين الرغبات وبين الواقع، فيخلق أصحاب الرغبات أطرا سياسية ومفاهيم اقتصادية ونظريات اجتماعية لتأصيل أفكارهم الشاذة عن طبيعة الإنسان، وأعتقد أنني أسميها «شاذة» لأنها لم تتفق وطبيعة الإنسان وبيئته.
وهذا ما يدفعنا للتفكر في المنهج الصحيح للعيش لا التعايش، والفرق بينهما كبير جدا، فنحن بالعيش نضع قواعد البقاء والاستمرار والديمومة، أما التعايش فنحن نعمل على تذليل العقبات التي تحيط بنا من أجل تسيير عجلة الحياة، من دون مراعاة لبعض النقاط التي من الممكن أن تكون محورية في حياة الإنسان، إلا أنها تتلاشى بعلة التعايش والتسامي على صغائر الأمور، وكلما تسامينا وتعايشنا سقط مبدأ واختل فكر وانحدر سلوك حتى نصل إلى مرحلة نحتاج فيها أن نعيد النظر إلى فكرنا الذي أسقط عنه كل شيء، وبالتالي نتعامل مع وضع ناقص لنخرج منه فكرا كاملا - باعتقادنا- لنبدأ كذبة التعايش والديمومة.
عندما تنازل الإنسان عن حريته مقابل رغيف الخبز أصبح رغيف الخبز يشكل محور الديمومة وعلَّة التعايش، بل إنَّ رغيف الخبز صار رمزا للاستقرار والديمومة المجتمعية، فيخير الإنسان بين حريته ورغيف الخبز في مراحل تأصيل هذا الفكر المنحرف، فإذا اقتنع صارت المساومة برغيف الخبز على كل شيء، حتى يختفي معنى الحرية من قاموس كثير من الشعوب، ويهددوا بفزاعة رحيل الخبز الذي شاهدوا آثار غيابه في كثير من الأماكن، وما وقع الناس في الخوف من هذه الفزاعة إلا نتيجة جهل وتجهيل.