أعترف بحِيرة انتابتني في اختياري لعنوان هذا المقال، فهل أقول «كثير من السياسة... قليل من المعارضة»، أم العكس... ولأسباب تتعلق بالذوق الخاص والمزاج الشخصي للكاتب، لا لأسباب موضوعية معينة، استقررت على العنوان الذي قرأتموه، معتمدا على أن المعنى الذي سيحمله المقال واحد في الحالتين، مع إضافة سنأتي لها في الختام للدكتورة الفاضلة فاطمة المطر التي ورد اسمها الكريم في عنوان المقال!
من خلال متابعتي للساحة المحلية وقضايا الشأن العام، وبعد التأكيد على أن «الشق عود»، وكل منا يرى إصلاح أوضاعنا يبدأ بزاوية قد يختلف في تحديدها مع غيره، إلا أنه لن تكون من باب المبالغة أن معظمنا يتذمر علانية وخفية على الحال العام وما نتمنى أن يتحقق من نقلة نوعية في البلاد.
في ظل كل هذا النقاش، لا يمتلك المرء إلا ملاحظة أن الكثير منا يمارس فعلا من أفعال المعارضة السياسية - ولو قولاً وخلف الأبواب المغلقة - والذي يتمثل في التذمر من الشأن العام، وفعل سياسي بلا شك مهما كان حجمه، إلا أن قليلاً منا يمارس ما يمكن الاصطلاح عليه بالسياسة في مفهومها العام!
السياسة تشتمل على فعل الاعتراض ولا شك، ولكن ما نشاهده غالبا يكون بمعزل عن محاولة التفكير في الحلول الممكنة للتقدم بوضعنا للأفضل - وهذا أضعف الايمان-، ومن دون الممارسة السياسية الكاملة بطرح حلول معقولة لتطوير واقعنا والعمل في هذا الاتجاه كل بمقدار ما يستطيع لن يتعدى ما نقوم به أن يوصف بـ«التحلطم» أو «فشة الخلق» مع التقدير لأحبتنا اللبنانيين.
أعلم أن أول نقد سيوجه لي في هذا الصدد هو في عدم توافر الكثير من أدوات التغيير السياسي لدى المجتمع، وهو نقد في محله ولا شك، ولكنه ليس كافيا لإشاعة ثقافة السلبية تجاه الواقع السياسي والاجتماعي ككل والانزواء عن دائرة العمل والتغيير، كل بمقدرته، ولنعلم أن المجتمعات تتغير، وإن لم يكن ذلك بالسرعة التي نريدها، عن طريق الفعل والعمل وفقا لما هو متاح، وبصيغة دينية، فالمطلوب منا من قبل المولى عز وجل هو العمل على إحداث تغيير في مجتمعاتنا، وعملنا هو ما سيتم محاسبتنا عليه، أم نتائج ذلك العمل وما يسفر عنه فلا نساءل عنه - على حد فهمي- وتحكمه عوامل كثيرة أهمها بالطبع مشيئة الرحمن عز وجل.
أخيرا، من صور العمل السياسي الراقي، ما تقوم به الدكتورة فاطمة المطر من اعتصام أسبوعي أمام وزارة الاعلام الكويتية في اعتراض على سياسة الأخيرة في ما يتعلق بمنع الكتب وما يتعلق بالشأن الثقافي العام في البلاد، وهو موقف شجاع تصر عليه الدكتورة رغم كل الاحباطات والتذمر، ورغم قلة الحضور أحيانا.
باختصار... نحتاج لزيادة جرعة العمل السياسي الحقيقي... في مقابل ما نراه من الكثير من... التحلطم!
[email protected]Twitter: @dralkhadhari