واضح

المادة 9 من دستور اليابان والعقل الثوري العربي !

تصغير
تكبير

بعد أن استسلمت اليابان في الحرب العالمية الثانية واعترفت بهزيمتها، قامت بتعديل دستورها بأن أضافت له المادة رقم 9 «يتطلع الشعب الياباني بصدق وإخلاص إلى السلام العالمي... ويتخلى إلى الأبد عن الحرب... وعن القيام بأي أعمال عدوانية... ومن أجل تحقيق هذه الغاية لا يتم امتلاك قوات برية أو بحرية أوجوية أو غيرها من القوات العسكرية، ولا تعترف الدولة بحقها في خوض الحرب».
وسواء عدّل اليابانيون دستورهم أو أن أميركا أجبرتهم على ذلك كونها هي المنتصرة، وسواء امتلكت اليابان بعدها قوات عسكرية تسمى قوات الدفاع الذاتي أم لم تمتلك فعلاً، إلا أن الحقيقة أن العقل الياباني تخلى عن فكرة الحرب نهائياً واتجه إلى فكرة البناء والتطوير والتعلم، وبعد قرابة 72 سنة من تاريخ تعديل دستورهم لنا جميعا أن نرى النتائج في إنتاج اليابان.
اليابان بلد ليس بالكبير، مقارنة بغيرها من «الكبار»، فهي لا تتجاوز ثلث مساحة السعودية وسدس مساحة مصر، وعدد سكانها قرابة 125 مليون فقط، و70‎‎ في المئة من أراضيها غير صالح للسكن بسبب التضاريس الصعبة، وهي دولة فقيرة بالموارد الطبيعية وتستورد أغلب مقومات الطاقة، لكنها رغم كل هذا قوة اقتصادية ضاربة في العالم كله.


هذا التخلي الفكري والعقلي عن فكرة الحرب والنزاعات هو ما ينقص العقل العربي، نحن أمة مشغولة بالصراعات، يرفض عقلنا الاعتراف بالهزيمة، ونحن على استعداد أن نبذل أعمار وجهود أجيال كاملة تتلوها أجيال من أجل وهم الانتصار، الذي نتخيل أننا سنحققه بالشعارات والخطب الرنانة!
هناك رموز عربية وقادة كانت وما زالت الأمة تنظر إليها على أنها أبطال من دون أن نسمي أحدا باسمه، خشية «زعل البعض»، ولو أمعنت النظر في تاريخ هذه الرموز وإنجازاتها تجد أنها لم تقدم شيئا أبداً سوى «خطب رنّانة»، وخطب جميلة وثورية حماسية وكلام منمق، ووعود بالانتصار وتنظير نحو النصر وهزيمة العدو، لكن ماذا فعلت هذه الرموز لبلادها ومجتمعاتها وللأمة؟ الجواب: لا شيء! سوى الدمار والفقر وسوء الخدمات وسرقة آمال الشعوب، أغلب رموز الأمة العربية، ليست في رصيدها سوى الخطب الحماسية!
العقل العربي يستخدم السلاح في حال فرحه فيطلق النار في العرس ومناسبات البهجة، وهو يرقص بالسيف لأن فكرة ونشوة النصر تسيطر علينا من خلال الارتباط بالسلاح والحرب والصراع !
هذا هو الفكر الذي تخلت عنه اليابان، ولو تخيلنا الحالة النفسية وقتها للشعب وللمسؤولين اليابانين، لعرفنا أنهم ملكوا شجاعة قلّ وندر مثلها حال إعلانهم هزيمتهم وتخليهم عن فكرة الحرب... هذه هي الشجاعة الفعلية التي مكنتهم من المضي في طريق البناء حتى وصلوا إلى هذه المرحلة الآن.

@lawyermodalsbti

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي