كانت أمي دائما تقول لي يا ابني أنت «محظوظ»؛ لأَنِّي كنت دائما أربح في مسابقات المشروبات الغازية، وألعاب الهدايا في مدن الملاهي، وكنت مؤمنا بمقولة أمي التي علِقت بذهني طويلا، حتى كبرت وصرت على ما أنا عليه وعرفت أني «محمد» ولست «محظوظ» الذي يفوز دائما بكل شيء في مدن الملاهي، وعرفت أيضا أن الدنيا لا تشبه مدن الألعاب إطلاقا، وأن لا فائز دائم ولا خاسر دائم.
ولست أتحدث في هذا المقال عن الألعاب أو عن حياتي الشخصية، ولكن ما أثارني فعلا عند خروجي من السينما ومشاهدة الكثير الكثير من الأوساخ التي تركها مرتادو السينما بعدما شاهدوا فيلمهم! أتساءل دائما عما إذا اعتقد الإنسان- إذا صح أن نسميه إنسانا- أنه عندما يدفع تذكرة السينما أنَّ من حقه نشر أوساخه في كل مكان! لكنَّ الذي هدَّأ من غضبي هو تذكري لمعادلة بسيطة ألا وهي -أموال كثيرة وثقافة قليلة- وهذا للأسف ما نعانيه، نحن فعلا نمتلك ثروات ضخمة ونتعب كثيرا في تنميتها واستثمارها وشراء العقارات والأسهم وغيرها، ولكننا لا نبذل عُشر ما نبذل من أجل تنمية جيل كامل، جيل يعتبر الدينار عصى سحرية تفتح أي شيء، وأعنيها جيدا -أي شيء-، جيل ستراه جيدا وتكتشف شريحة كبيرة منه في المجمعات والمقاهي وغيرها من هذه الأماكن يتصرف بطريقة لا إنسانية مع كل شيء، مع رجل الأمن والنظافة والبائع والسائق، وكأن تيار الحضارة والثقافة لم يمر في أسلاك بيته إذا كان يُسمى المكان الذي- يخمد فيه- بيتا!
إن العويل على وزارة التربية في فساد الأجيال هو عويل النائحات المستأجرات اللواتي لا يعرف حتى اسم الميت، إن التربية تنطلق من منبعها الصحيح ألا وهو الأسرة، الأسرة التي تضع الأركان والأسس فتأتي المدرسة لتضع رتوشا ولمساتٍ بسيطة تجمل هذا الإنسان، وللأسف سنبدأ عاما دراسيا جديدا ونجد أسرا كثيرة ليس لها علاقة بالتربية ولا بأبنائهم ويلقون باللوم على المدرسة في فساد أولادهم! سأل شابٌ محترم أحد مشايخ الدين عن موعد نهوض الأمة، فقال له الشيخ: عندما يضع المصلون في المسجد أحذيتهم في خزانة الأحذية، ولعل الشيخ أصاب في رمزية الإجابة؛ لأن المباشرة دائما للأغبياء! فالشيخ يقصد عندما نؤمن بالثقافة السلوكية في أقدس أماكننا مع أحقر ما نقدر- الحذاء- فسنكون قادرين على فهم أنفسنا وتنظيمها وترتيب أمور حياتنا.