إنَّ العلاقات الإنسانية التي يكونها الإنسان في مسيرة حياته تشكل جزءا من تاريخ هذه الحياة وترسم لها طابعا يحاكي أبطال هذه العلاقة، فإما أن تكون علاقة مع أشخاص محترمين وأفاضل، فتكون الحياة كذلك، وإما أن تكون مع سيئين أراذل فتكون أيضا الحياة كذلك... وأؤمن قناعة بأنَّ العلاقات لا يمكن أن تكون مقيدة إلا بما يمنعه العقل والدين، وغير ذلك فكلٌ مرحب به في حياتك طالما له إضافة وبصمة.
وقد دار نقاش حاد في «الديوانية» مع مجموعة بعيدة عن قطاع التعليم، منتقدين علاقتي بطلابي الذين أكبرهم بخمس أو ست سنوات فقط، مستغربين أن يكون بيني وبين طلاب تخرجوا من الثانوية، فأصبح الطالب منهم مهندسا وطبيبا ومعلما وغيرها الكثير من الوظائف التي وصلت إلى مزاملتي في مهنتي في التعليم، فعلامات الاستفهام التي طرحوها تتركز في الاستغراب من وجود هذه الشخصيات في حياتي وأنَّ هذا الشيء مستغرب، وصراحة كنت عاجزا عن إيصال وجهة نظري ووفرتها لمقال السبت، لأنَّ المقام هناك لم يكن مقام نقاش جدِّي.
إنَّ العلاقة التي تربطني كمعلم بهذه المجموعة، علاقة أكبر من أن أختصرها في مقال واحد، فهؤلاء الشخصيات الجميلة التي شاركتني سنوات كثيرة خطوة بخطوة لم تنفك بعطائها وتواصلها واستمرارها في إظهار التقدير والاحترام والاعتزاز بشخصي كمعلم له دور ولو كان بسيطا في صقل شخصياتهم، فكان المعلم أبا ومستشارا وملجأ وأخا وصديقا... مجموعة من الصفات جعلت هذا الشخص في مكانة مميزة، كاسرة كل قوانين العلاقات عمرا وأصلا وجنسية ودينا ومذهبا، كل هذه الفروقات تساقطت أمام علاقة حقيقية مبنية على الحب والتقدير والاحترام، فما المانع أن يكون هذا المعلم أخا بعد المدرسة وأبا ومستشارا في الحياة طالما يؤدي دوره بما يرضي الله ورسوله، وبما يساعد هذا الطالب في حياته ليكون رجلا صاحب أخلاق وأن يشاركه خبرات حياته حتى يتفادى أخطاء من الممكن أن يقع فيها لولا مرشده ومعلمه الذي يكمل دور المنزل في صقل شخصية الابن.