رأي «الراي» / كونوا أنتم

No Image
تصغير
تكبير

أسدلَ القضاء الكويتي الستار على صفحة مؤلمة من تاريخ الكويت السياسي الحديث. أقفلَ الباب على أحداث ما عُرِف بالأربعاء الأسود، ذلك اليوم الذي شغلَ الجميع وأتعبَ الجميع (بمن فيهم الشباب المشارك في دخول المجلس) وأفرحَ قلّة كانت تحصي خسائر البلد والنَّاس وتحرّض من السراديب وتنفخ في كير الأزمة، لا حباً بالإصلاح ومحاربة الفساد بل ترجمة لأحقاد خاصة ومآرب شخصية.
ويا شباب الحراك الذين تعودون اليوم إلى الحياة العامة من دون أسوار هذه القضية، يا مَن تباشرون أعمالكم ولحظاتكم ومشاريعكم بحرية وبلا محاكم ومحامين وضغوطات. غداً يوم جديد، يومٌ لن يتسع للحظات النفاق السابقة وازدواج الشخصية، فهناك مَن كان معكم بصدق وهناك مَن كان ضد ما قمتم به بصدق أيضاً، وبين الموقفين، مَن كان يحرّضكم في الساحات والسراديب ويعرف كيف يقفز في اللحظة المناسبة خارج إطار المساءلة القانونية بل ويرسل إشارات إلى خصومكم بأنه قادر على تهدئتكم وتطويعكم، ومن كان يُطالب علناً بإنزال عقوبات تصل إلى الإعدام ضدكم ثم عندما جنحت رياح السياسة بعكس ما يشتهي أخذ يرسل عبارات الود والمحبة لكم سراً ويدعي أنه سيتوسط من أجل نهاية سعيدة لقضيتكم.
بعضُ مَن حرّضوا، وضَعَكم على أبواب الملاحقات واستمرّ في عمله تاركاً لكم عبارات تضامن معروفة الغايات، وبعض مَن هاجمكم بشكل يومي أجّج النار في قضيتكم واستمرّ في عمله تاركاً لكم عبارات مشابهة. لكنكم اليوم متحرّرون، لا من عبء القضية فحسب بل من أوزارها الشخصية و«ودائعها» المنافقة إن صحّ التعبير. لا دين لأحد عليكم ولا منّة، وها أنتم في موقع يمكنكم من فرز المواقف ومراجعة المرحلة والانطلاق مجدّداً إلى الأمام من دون ذلك الحِمل الثقيل.
غداً يوم جديد ولا نريدكم إلا أن تكونوا في قلبه النابض. نريدكم أن تستمروا على مبادئكم النظيفة في الإصلاح، أن تكونوا عوناً في الحرب على الفساد والمفسدين، أن تكونوا جزءاً أساسياً من تطوير الإدارة والمؤسسات والنظام السياسي، أن تكونوا حماةً للحريات والديموقراطية والدستور، أن ترفعوا الصوت في كل ميادين العمل السياسي والإعلامي... إنما بضوابط وطنية وقانونية ودستورية وبأسلوب غير الذي مارستموه وخبرناه، فَكُلفته كانت كبيرة على البلد وعلى المجتمع وعليكم وعلى أسركم. وبكل بساطة يمكن لأي منكم أن يسأل نفسه: هل حققت المواجهات والاقتحامات أهداف الإصلاح وتعزيز الحريات والديموقراطية والأمن والاستقرار؟
بغض النظر عن تنظيرات وتحليلات المحرّضين وراكبي الموجات ومستغلي الفرص، فالأكيد هو أن العمل تحت مظلة الدستور والقوانين هو الأجدى والأنفع خصوصاً أن فضاء الحريات في الكويت هو الأكبر في المنطقة، ويعرف ذلك أكثر من الجميع بعض رفاقكم الذين يعيشون في دول أخرى تسمح لهم ربما بمهاجمة بلدهم إنما تحصي عليهم أنفاسهم إن فكّروا في انتقاد أي شأن داخلي حيث يُقيمون.
الجميع يحتاج إلى جهودكم في دعم الإصلاح والتطوير، فأنتم لستم طرفاً حزبياً نائياً في زاوية من زوايا المجتمع بل مكون أساسي في صلب هذا المجتمع، عركتكم التجارب وخبرتكم الساحات، واليوم أعمالكم ومؤسسات الدولة تحتاج إليكم لإكمال المسيرة بأسلوب آخر. فقط كونوا أنتم وعلى صورتكم ولا تكونوا على صورة من حرّضكم ونفخَ في الكِير لأهداف شخصية ولا على صورة مَن هاجمكم أيضاً لأهداف شخصية.
تبقى نقطة أخيرة، ستسمعون اليوم مَن يقول لكم إنه توسّط للوصول إلى هذا الحل لقضيتكم. أو مَن يطلب منكم سراً شكر فلان لأنه لعب دوراً أساسياً في إنهاء هذه الصفحة بالشكل الذي انتهت إليه. نصيحة صغيرة: اشكروا ربَّ العالمين الذي ألهمَ القاضي باتجاهات الحكم واشكروا مَن صدرت باسمه الأحكام واشكروا مؤسسة القضاء التي أثبتت حياديتها ونزاهتها والتزامها «العدل أساس الملك».

«الراي»

 

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي