خواطر صعلوك

تصورات جنائزية!

تصغير
تكبير

حدثني عن الحياة... لكي أحدثك عن الموت.
في رمضان عندما كنت صغيراً ماتت أمامي امرأة كبيرة في العمر، ربما كانت بعمر الصراع في المنطقة، وربما أكبر من ذلك. ظلت إحدى عيناها مفتوحة والأخرى مغلقة، وطوال الوقت كنت أنظر لها مبتسماً، حيث كنت أعتقد أنها تداعبني وتغمز لي بعينيها مازحة، كما يمزح الضيوف مع أطفال المنازل، وعندما حضر الطبيب وأقسم بأغلظ قسم عرفه لابقراط أنها ميتة منذ ساعتين على الأقل، لدرجة أنه لم يستطع أن يغلق العين المفتوحة حتى بالمسمار والأسمنت... أقسمت لهم بالله أنها كانت تبتسم لي وتخرج لسانها منذ قليل، وأنها قالت لي: «أحلم بزيارة مكة»!! ولكن من سيصدق طفلاً أمام امرأة ميتة كما لم يمت أحد من قبل، لذلك فلم يكن ثمة ما يقال وقتها.
أتذكر هذه المرأة في كل رمضان، تلك العجوز الغريبة أينما حلت وارتحلت، تتقاسم يومها قبل الإفطار بين بيوت الجيران، لأن ولدها لم يعد يتحمل وجودها قبل الإفطار، ورغبتها في أن تطبخ له كما كانت تفعل عندما كان يمشي على قدمين، ولكن بمجرد أن تزوج وصار يمشي على أربع، أصبح يقيم الدنيا ولا يقعدها فقط إذا قررت تعكير مزاج «الست هانم» زوجته ودخلت للمطبخ معها!


في العشر الأواخر من رمضان أدعو لها بالرحمة، وأعلن اللعن والسخرية من كل أشكال الحياة حولي... ولا أهدأ إلا بعد العيد فأبدأ في لعن أشياء أخرى مثل اخر مكانيكي وضع يده على سيارتي، وألعن الحرب في سورية واليمن ووسائل التواصل الاجتماعي، وسعر خروف عيد الأضحى!
الحياة المشاهدة من الإنسان مقدمة صغيرة لبداية غيب أكبر منها بكثير... سماها الإنسان الموت بينما هي في الحقيقة الحياة العليا، تماما كما سمى كوكب الأرض بهذا الاسم، لأن المحيط كان الغيب بالنسبة له... رغم أن نسبة المحيط أكبر من اليابسة... إنه كوكب المحيط.
لقد أثرت هذه الحادثة في تصوراتي عن الموت، وعرفت قبل أن أتعلم قراءة القرآن بين يدي جدي، رحمه الله، أن الموت ليس العدم الذي يخشاه الكبار المؤمنين والذاكرين الله بمناسبة ومن غير مناسبة في أماكن عملهم في الوقت المطلوب منهم فيه أن يتذكروا واجباتهم والتزاماتهم أمام الآخرين، بل تخيلت الموت نقلة أخرى وحياة فريدة لا يوجد فيها ابن عاق وزوجة لئيمة، وربما تسألك الملائكة فيها «بماذا تحلم؟» فتجيب... أحلم بزيارة مكة، فيجاب طلبك... وتخرج لسانك فرحا لطفل من الأحياء جالس أمامك!
بالتأكيد ليس الجميع سيسأل بماذا تحلم... فهناك من سيسأل «لماذا حولت أحلام الناس إلى كوابيس؟».
وربما أكثر جهة ستسأل في الدولة حول تحويل آمال الناس إلى كوابيس... وزارة الصحة... وقسم العلاج بالخارج تحديدا، الذي يخبر البسطاء من الناس أن المستشفيات في الخارج رافضة للحالة... والحقيقة عكس ذلك.
 ذهبت لزيارة تلك المرأة في قبرها ذات يوم، دعوت لها من قلبي، وقرأت لها بعض الآيات... وعندما أدرت ظهري للقبر ومشيت عشرين خطوة خُيل إلي أنها أطلت برأسها من بين التراب وأخرجت لسانها، و غمزت لي بعين واحدة.
اللهم اغفر لموتى المسلمين، وكل من وحدك.

كاتب كويتي
moh1alatwan@

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي