يحكى أنه كان هناك «قاضي» كلما وقف أمامه شاب من ذوي الأحداث ارتكب ما يستوجب وقوفه أمامه، أعطاه القاضي براءة.
وكان يقول لأصدقائه المقربين إنه ارتكب تقريباً في العمر نفسه الكثير من الأشياء التي سيحاكم عليها من كان في نفس عمرهم، وإن الخلل لم يكن في نفسه كشخصية سيكوباتية، بقدر ما كان في عدم وجود مؤسسات شبابية ومساحات للطفولة تقوم بتوجيه طاقاته.
وكانت حيثيات الحكم دائماً هي ذاتها «إن وجود قوانين تحاسب الشباب والأحداث عن أفعالهم لم تقابلها مساحات ترعى طاقاتهم ومتطلباتهم، ما جعلهم يخلقون مساحات خاصة بهم من دون توجيه أو تمكين في دولة هرميات السيادة فيها لا تبالي بهم... كل ذلك يمنعني من النطق بالحكم عليهم».
إن قليلا من التأمل لا بد وأن يأخذنا إلى الوقوف على الأسباب التي جعلت هذا القاضي يصدر في كل مرة بياناً تنموياً يوضح فيه عقيدة قاض لم يعد موجوداً.
إن «الظاهرة الشبابية» المحنطة في الهرم السكاني في دولة مليئة بالإمكانات ومحاطة بالممكنات، تجعلنا نتساءل عن جدية التنمية الشبابية وعن كم الهدر غير المرئي الذي يحدث حولنا!
فإذا انطلقنا من العدل، واضعين القناعة التي تقول إن إنشاء صندوق المشاريع الصغيرة ومؤسسات شبابية تعمل معه كان هدفه هو خلق قطاع شبابي ثالث، لا يعبر عن القطاع الحكومي ولا يعبر عن القطاع الخاص بشكله التقليدي، بل قطاع ثالث متمثل في فسيفساء شبابية فردية اقتصادية متنوعة تعزز واقعاً اجتماعياً واعياً يدعو إلى العمل والإنتاجية والتعايش واكتمال الهوية بما يصب في النهاية على تنوع مصادر الدخل الفردي والقومي عبر تمكين الشباب وصنع مسار من المشاركة من الشباب وإلى الشباب. وتعزز الحكومة عملية تنمية وقدرات الشباب عبر الدعم وتقديم الفرص والخدمات والتهيئة والمتابعة، متمثلة في كيانين هما الهيئة العامة للشباب كأداة تنفيذية على الأرض، ووزارة الدولة لشؤون الشباب كأداة تنسيقية بين الوزارات.
فكم مقدار العوائق التي تشكل موانع سياسية وبيروقراطية وتضارب مصالح وتحزبات ضد القطاع الثالث وتحيزات عليه على مرأى ومسمع من الجميع من دون تدخل للمساعدة؟
كم عدد الآباء والأمهات الذين يرون في أبنائهم الأطفال والشباب موهبة أو مهارة أو إمكانية، ورغم ذلك لا يجدون مساحات للدعم والخدمات والفرص والمتابعة... أو حتى التهيئة والإعداد؟
كيف تم اختزال الظاهرة الشبابية في خطاب ليبرالي يعتبر نزع الحجاب انتصاراً من دون أن ينتبه أننا نعيش حالة شبابية في الهرم السكاني تبحث عن الاستقلالية وليس عن كسر السلطات الأبوية أو الرغبة في السير على خطى نوال السعداوي؟ وكيف تم وضع الهدهد المبادر في قفص للدواجن عبر خطاب مجاميع إسلامية تعتقد أن منع حفلة أو منع قرع جرس ما هو إلا النهي عن المنكر الظاهر له من دون أن يساهم في الأمر بالمعروف تجاه نفسه على الأقل لكي يقرأ ويعرف مدى الصعوبات والعراقيل التي تواجه تقدم «الظاهرة الشبابية» في الكويت، أو يساهم في الأمر بالمعروف تجاه الشباب أنفسهم بحيث لا يراهم رقما في صندوق انتخابي شفاف يخرج منه مارد رمادي في الأصل وكل يوم هو في لون.
كيف ندرك حقائق الظاهرة الشبابية إذا كانت العوائق هي موانع سياسية تعمي البصر، والعلائق هي دوافع اقتصادية تأخذنا لمساحات خالية من الشباب؟
أي معيار أقرب للصحة... تتناسب مساحة السجون والمعتقلات (عكسياً أم طردياً) مع خنق المساحات الشبابية... وفي أبسط صورها المراكز الشبابية؟
ها أنا أقرع لكم جرساً أكبر من جرس البورصة، وأرتدي عباءة علماء الاجتماع وأضع لكم قانوناً تحذيرياً قائلاً «إن مجلس الأمة وصراعاته، وكبار الملاك وحساباتهم، هي عوائق وعلائق تجاه القطاع الثالث... والعوائق موانع، والعلائق دوافع».
كاتب كويتي
moh1alatwan@