رأي «الراي» / صباح الأحمد وإعمار العراق
يقال إن «الغفران كالإيمان عليك ان تنعشه باستمرار»، بالفعل، بالقول، بالتقارب، بالممارسة والسلوكيات، بالالتزام، بالحرص. الغفران ليس موقفاً عابراً في ظرف عابر يقوم به طرف تجاه طرف آخر أخطأ أو أساء، بل هو فعلاً... فعل إيمان.
والكويت إذ تستضيف على أرضها مؤتمر إعمار العراق، فإنها تقدم للعرب والعالم نموذجاً في فعل الإيمان وحكاية راقية قل نظيرها في حاضرنا وماضينا.
ليس في إرثنا السياسي المعاصر عربياً وإسلامياً الكثير لنتباهى به في حالات مماثلة، ربما كان لدينا الكثير لنرويه عن الكراهيات التي تزرع حقداً، وعن الانتقام الذي يلد موتاً، وعن التآمر الذي ينتج دماراً، وعن التشفي الذي يغرس عداوة، وعن القتل الذي يجتر المآسي. قلَبوا في صفحات قاموسنا السابق وتعرفوا على عقود من القطيعة اعقبت حروباً وخلافات واختلافات، ثم اقرأوا اليوم كتاب الكويت الأبيض الذي صاغ عباراته سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد وتعرفوا على قصة أخرى... على فعل إيمان هذا الحكيم الذي ينعشه باستمرار.
أمس، أعلن مجلس الوزراء العراقي ان ما قدمته الكويت من مساعدات انسانية للعراق يفوق كل ما قدمته الدول العربية. تحدث تحديداً عن قطاعي التعليم والصحة وهما المجالان اللذان تعتبرهما الكويت دائماً أولوية في الدعم والتقارب. ولنقلها من باب الصراحة لا من باب المنة أو التفاخر اللذين يعاكسان جوهر الرسالة، ان الكويت التي تعرضت لغزو بشع وتدمرت مرافقها واستشهد خيرة شبابها تقدم دعماً للعراق يفوق ما قدمته الدول العربية مجتمعة بما في ذلك الدول التي كانت تشجع صدام حسين أو تقف معه في غزو الكويت... لأنها تؤمن برسالتها وخياراتها الإستراتيجية ولا تؤمن بالسياسات العابرة والمصالح الضيقة واستغلال المواقف لتصفية الحسابات.
ولصباح الأحمد مع العراق قصص أخرى، فهو كان يعتبر ان العراقيين تعرضوا لاحتلال مثلما تعرض الكويتيون. ويعتبر ان الديكتاتورية التي خضعوا لها لعقود والمغامرات والمقامرات بدماء العباد ومقدرات البلاد حولت الشعب العراقي من شعب منتج متعلم يتمتع بخيرات وثروات إلى شعب شهيد يحمل اكفانه وينتظر موته على مفترقات المعارك والغزوات والاجتياحات وأقبية التعذيب. لذلك كان جل همه أن يكرس للعالم بأسره التمييز بين العراقيين ومن «يحتلهم»، وكان جل رهانه على العراقيين أنفسهم لضمان مستقبل افضل لبلادهم وللعلاقات مع الكويت والدول المجاورة.
يعرف الشيخ صباح أن التاريخ متحرك والجغرافيا ثابتة، ويؤمن بأن الثبات على الحق والتمسك بالكرامة وبالسيادة والالتزام بالمبادئ والمواثيق هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، لكنه يقرأ ايضاً في مستقبل العلاقات ويعرف ان استقرار العراق من استقرار الجوار، وان انصراف العراق إلى البناء والتنمية يفرض سياقاً مختلفاً في التعاطي مع شعبه وجيرانه يقوم على مواجهة التحديات الداخلية الحقيقية لا على الهروب منها عبر افتعال أزمات خارجية.
والقراءة في مستقبل العلاقات لم تكن بمنظار المصلحة بل بالحرص الحقيقي على تعافي العراق واستعادته لدوره، ومن ينسى كيف دخل صباح الأحمد بغداد عام 2012 حاملاً رسائل الصداقة والمحبة والتعاون. قال في القمة العربية آنذاك: «أعبر عن سعادتي البالغة منذ أن وطئت قدماي أرض العراق الشقيق بعد أن استعاد حريته وكرامته وديموقراطيته عقب حقبة مظلمة وصعبة مرت عليه ليبدأ بعدها بمعاودة دوره المعهود في العمل العربي المشترك».
يومها اعتبر أمير الكويت العراق «جزءاً عزيزاً من وطننا العربي غاب عن الاسهام الفعلي في هذا العمل لسنوات طويلة ومثل بآلامه ألماً لنا جميعا ونحن مع الشعب العراقي الشقيق اليوم نسعى لتجاوز تلك الآلام والجراح لنتمكن من خلال اصرارهم ودعمنا لهذا الاصرار على انعقاد القمة في بغداد لتحقيق اضافة قيمة لعملنا العربي المشترك أساسها الدور العراقي المميز والفاعل بكل ما يمثله من ثقل وتأثير على مسار هذا العمل».
كان الألم واحداً والاصرار على تجاوزه واجباً. أمير الكويت يقرن الكلام بالفعل ويرسم مع المسؤولين العراقيين خريطة طريق للعبور نحو المستقبل، بالتقارب، بالممارسة والسلوكيات، بالالتزام، بالحرص. كل دعم اقتصادي وتعليمي وصحي وتنموي سيرتد ايجاباً على الجميع، وكل معول للبناء في اعادة الإعمار يرد على معاول الهدم وخفافيش الموت والظلام والارهاب.
إعادة إعمار العراق تنطلق من الكويت... أي صورة أكثر إشراقاً في عالمنا العربي والإسلامي من هذه الصورة؟ أي قيم أكثر تسامياً وتحضراً ورقياً؟ وأي بهاء يظللنا ويجعلنا نفتخر بديرتنا وقائدنا ورمزنا؟
مؤتمر إعادة الإعمار الذي ينعقد الأسبوع المقبل هو مشروع مارشال عربي – دولي أطلقته يد كويتية امتدت بثبات ومحبة لتصفح وتصافح يداً عراقية... هو رسالة بناء تتجاوز العراق إلى حاضر عربي نتمنى أن يصاب بعدواها ويعممها.
«الراي»