رؤية ورأي

سوق العمل والجامعة التطبيقية الحكومية

تصغير
تكبير
من بين التعقيبات التي وصلتني على مقال الاسبوع الماضي، تساؤل من أكاديمي عن مدى حاجة سوق العمل الكويتي إلى خريجي جامعة تطبيقية حكومية. فأجبته أنني أعلم بأن سوق العمل المحلي مشبع بل متخم بالعديد من التخصصات، وأنه يعاني من البطالة المقنعة منذ سنين، وهو غير قادر على خلق فرص وظيفية للدفعات المتتالية من الشباب والفتيات الذين يتخرجون من الجامعات المحلية والخليجية والعربية والأجنبية. وأعلم بأن الاستثناء من هذا العجز المزمن يظهر غالبا في الوظائف المرتبطة بزيادة عدد السكان، من قبيل الوظائف المتعلقة بالرعاية الصحية والتعليم العام. ولكنني في الوقت نفسه، أرى أن هذا الخلل المتجذر في سوق العمل يفترض ألا يمنعنا عن انشاء جامعة تطبيقية حكومية، بل لدي قناعة بأنه يدفعنا إلى تعجيل إنشائها من أجل الاستعانة بها في معالجة علة السوق.

هناك حالة من الاتفاق والإجماع بين المعنيين بالتعليم العالي بشأن أهمية المواءمة بين مخرجات التعليم - بمراحله كافة - وبين متطلبات سوق العمل. ولكن صلاحية هذه المواءمة مرتبطة بمدى توافقها مع الرؤية التنموية للدولة. لذلك عندما يعجز سوق العمل عن مواكبة الخطط الاستراتيجية للدولة، أو عندما يصبح عائقاً أمام تنفيذها، يجب على «نواخذة» وقياديي التعليم أن يعيدوا صياغة العلاقة بين المنظومة التعليمية وبين سوق العمل، كي يوقفوا السقوط المطرد في مستوى التعليم الناتج عن تكاثر الوظائف الصورية والتعيينات السياسية، التي شجعت على تفشي الشهادات الكرتونية. بل إن إعادة الصياغة مطلوبة لكي نمكن التعليم من لعب دور محوري في إعادة تأهيل السوق، بعد أن ينجح «النواخذة» في النهوض بالمنظومة التعليمية، وإن استمر خمول سوق العمل، من خلال توجيه بوصلتها نحو خدمة الرؤية الوطنية. تماماً كما حصل في النهضة السنغافورية، حيث ساهمت منظومتهم التعليمية في إعادة تشكيل سوق العمل والاقتصاد، من خلال تهيئة كفاءات كانت تفوق حاجة سوق العمل - في حينها - ولكنها كانت تلبي متطلبات رؤيتهم التنموية الطموحة.


مؤسسات التعليم العالي - ومن بينها الجامعات التطبيقية - معنية بتحسين الاقتصاد الوطني والحياة الاجتماعية واستدامة الدولة، سواء من خلال ما تعد من كفاءات وقوى عاملة أو ما تقدم من دراسات واستشارات. ومن أجل أداء دورها بشكل أفضل، كان لا بد على تلك المؤسسات - في الدول المتقدمة أكاديمياً - أن تنتقل من العلاقة الثنائية في الاتجاه مع سوق العمل إلى شبكة علاقات مناظرة مع جميع المعنيين (stakeholders) بالتعليم العالي، وفي مقدمهم الطلبة والخريجون والمجتمع إلى جانب سوق العمل، ومعهم من داخل مؤسسات التعليم العالي، الأكاديميون والإداريون والعاملون. أي أن سوق العمل يعتبر طرفا مهما في منظومة التعليم العالي، لكنه ليس الطرف المهم الأوحد. هذا التوسع في دائرة الاطراف المعنية بالتعليم العالي استلزم تحولا منهجيا في كيفية إدارة مؤسسات التعليم العالي المتميزة - الحكومية منها والخاصة - من اسلوب الإدارة الأكاديمية الجماعية إلى نمط رجال الأعمال في الإدارة. وهذه الطفرة الإدارية استوجبت الاستقلالية في ميزانيتها، والتنوع في مواردها المالية، والحزم في اتباع منهجيات ومعايير وآليات الشفافية والنزاهة، وكذلك ترسيخ آليات داخلية وخارجية للتدقيق المستمر على جودة التعليم والخريجين والخدمات التخصصية المتاحة في تلك المؤسسات.

لذلك أناشد «نواخذة» التعليم العالي في البرلمان والحكومة، بالتعاون من أجل تقويم دور التعليم العالي وموقعه ليحاكي دور نظرائه في الدول المتقدمة والصاعدة اقتصاديا. فإلى جانب تزويد سوق العمل بما يحتاجه من كوادر مؤهلة، علينا أن نستثمر الخبرات والقدرات الأكاديمية المتاحة في مؤسسات التعليم العالي في تطوير الرؤية الاستراتيجية للدولة، وفي خلق وظائف جديدة وتأهيل سوق العمل لتنفيذ المشاريع المنظورة في الخطط التنموية، وفي تهيئة المجتمع ليكون حريصا على اللحمة الوطنية ومساهما في تحقيق التنمية المستدامة صائنا لحقوق الأجيال القادمة.

من الأمثلة المحلية على تبني مؤسسات التعليم العالي للدور المنشود، البرنامج الأكاديمي الذي أعد أخيرا من قبل قسم تكنولوجيا ميكانيكا القوى والتبريد في كلية الدراسات التكنولوجية، لتأهيل مدققي استهلاك الطاقة في المباني، حيث رحبت وزارة الكهرباء والماء بهذه المبادرة الأكاديمية ووعدت بالعمل من أجل إصدار لوائح تلزم تواجد مدققي طاقة في المجمعات والمباني الكبيرة من أجل ترشيد الاستهلاك فيها وتعزيز الاستدامة.

سوق العمل يعاني من ضعف مخرجات مؤسسات التعليم العالي. والأكاديميون المنشغلون في اجراءات الاعتماد الأكاديمي يعلمون أن زيف سوق العمل من بين أبرز أسباب تدني مستوى الخريجين، حيث يعلم الطالب أن المعارف والمهارات التي يفترض أن يكتسبها في مرحلة الدراسة، لن يحتاج إليها في الوظيفة الصورية، وأن المحسوبية لها في سوق العمل اعتبارا أكبر من شهادات التفوق والتميز الأكاديمي. فالمشكلة أن هناك دورة للفساد بين التعليم وسوق العمل، حيث تسلل الفساد من التعليم إلى سوق العمل، ومنه عاد إلى التعليم، وتفاقم مع مر السنين. لذلك علينا أن نوسع الدورة لتبدأ بالرؤية الاستراتيجية ثم تعليم يلبي احتياجاتها ويشارك في تأهيل سوق العمل لمواكبتها. ومن حيث المبدأ التعليم التطبيقي أقدر من التعليم الأكاديمي على التفاعل مع الرؤية والسوق... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي