في أحد لقاءاتي مع المشرف على رسالتي لدرجة الدكتوراه البروفيسور جو كلارك، دخلت عليه في مكتبه، أثناء استراحة الغداء، بعد طرق الباب والسماح لي بالدخول، ولكن عندما شاهدني ارتبك، وأدخل بسرعة مجموعة أشياء كانت على مكتبه إلى أحد الأدراج. حقيقة ارتباكه، أربكني، لأنني استنتجت أنه لم يتوقع حضوري. ولكي أعرف السبب، دققت النظر في ما يخبئ، فميزت القطعة الأخيرة وكانت تفاحة.
بعد الرد على تحيتي، اعتذر مني لنسيانه موعده معي، ثم هنأني بحلول شهر رمضان، وأعرب عن إكباره لالتزامي بكامل مهامي البحثية رغم صيامي. واعتذر مرة أخرى لأنه لم يُزل الأكل قبل دخولي مكتبه! فشكرته على احترامه لعقيدتي ومراعاته لشعوري، وأكدت له أنني أيضا أحترم عقيدته.
شاهدت وسمعت عن الكثير من المواقف التي تؤكد رسوخ الحريات الدينية في بريطانيا، ومن بينها السماح للمسلمين بشراء كنائس وتحويلها إلى مساجد وحسينيات، بل إن الحكومة تساهم بطريقة ما بتكاليف تشغيل تلك المباني باعتبارها جهات غير حكومية غير ربحية. ولكن بالنسبة إلي، تفاحة البروفيسور تركت الأثر الأكبر في نفسي.
قبل أن أسهب في المراد من سرد ذلك الموقف، لا بد من الإشارة إلى التعقيب الجميل من الأستاذ عمر مقامس على مقالي السابق حول أولوية إنشاء جامعة حكومية تكنولوجية، حيث أكد ضرورة وجود منظومة متكاملة للتنمية التكنولوجية في الكويت حتى نستفيد من تلك الجامعة التكنولوجية، وضمّن في تعليقه 9 أركان للمنظومة. وأنا أثني على تعقيبه، وأضيف عليه أن هناك مقتضيات أخرى للأرضية التكنولوجية المثمرة، ما يهمني منها في هذا المقال، هو ترسيخ الحريات الدينية وحمايتها.
من بين أبرز المشتركات في المجتمعات المنتجة للتكنولوجيا، رعايتها للحريات الدينية أو على أقل تقدير مكافحتها للتمييز الديني. والاحترام الشديد من البروفيسور لحقي في ممارسة شعيرة الصيام، ليس إلا أحد الشواهد الجمّة على مدى تجذّر ثقافة التعددية في المجتمع البريطاني المبدع تكنولوجياً. وأما المجتمعات المستهلكة للتكنولوجيا أو التي تجهلها، فتجدها مشغولة بالفتن الناتجة عن تقييد الحريات الدينية بمسوغات يخلقها ويسوّقها الأقوياء، ويفرضونها على الضعفاء، الذين ينشغلون بدورهم في التحرر منها. نحن على أبواب شهر محرم الذي حرم فيه القتال. ولكننا في الكويت، نعاني في هذا الشهر، ومنذ سنوات، من الاقتتال الشعائري بين الشيعة، بأسلحة دمار اجتماعي شامل، وبأحدث تكنولوجيات التضليل الإعلامي وتقنيات البرمجة العقلية، وعلى عدة جبهات تواصل وقصف اجتماعي، فيشارك بعضنا في تكرار أحداث فاجعة كربلاء، فيؤدون أدوارا لشخصيات بارزة في واقعة عاشوراء، ليست من بيت النبوة وأصحابهم، بل من المعسكر المقابل من أمثال شمر وحرملة. والغريب أن التهديدات الإرهابية، لم تمنعهم من تجديد مشروع توسعة سلطتهم السياسية الدينية المتستر بالرسالة الحسينية، لا في هذه السنة، ولا في السنوات السابقة.
لست بصدد ترجيح رأي شرعي في شأن الشعائر الحسينية على رأي آخر، ولكنني أسعى للمساهمة في تأهيل المجتمع الكويتي للمساهمة في تحقيق رؤيتنا التنموية «كويت جديدة 2035»، من خلال تطبيق المادة 35 من الدستور التي تنص على أن «حرية الاعتقاد مطلقة، وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقاً للعادات المرعية، على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب». ومن أجل ذلك، أدعو نفسي قبل غيري إلى التعلم من نجاحات المجتمعات السعيدة والاتعاظ من أخطاء المجتمعات المسحوقة.
لذلك أطالب كل من ساهم في إعداد أو نشر رسالة واتسابية متضمنة مقولة الزعيم الهندي المهاتما غاندي التي جاء فيها أنه «كلما اتحد الشعب الهندي ضد الاستعمار الإنكليزي، يذبح الإنكليز المُحتلون للهند بقرة ويرمونها على قارعة الطريق بين المسلمين والهندوس، لإشعال الفتنة وإشغالهم بالصراع في ما بينهم، ولإضعاف المُقاومة وترك الاستعمار البريطاني وإطالة أمده»، أطالبه ألا يكون كقاتل البقرة بنشره رسالة واتسابية تتضمن ما يشعل فتنة ويشغلنا بالصراع في ما بيننا ويوسع نطاق الاستعمار الحزبي على المجتمع ويطيل أمده.
وأناشد كل من شارك في نشر مقطع فيديو حول النهضة في سنغافورة، أن يتفحص المقطع جيدا ليعرف أن زعيم نهضتها رئيس وزرائها الاسبق لي كوان يو، نجح لأنه أسس دولة لها أربع لغات رسمية، وشرع قوانين عززت التعددية فيها، فاحتضنت جميع سكانها باختلاف قومياتهم ودياناتهم. لذلك إذا أردنا أن نقتدي بهم، علينا أن نمارس منهجية لي كوان يو التعددية ونبثها بين أقربائنا وأصدقائنا، ونبلغهم أن التعليم لم يكن الركيزة الوحيدة للنهضة في سنغافورة، بل كانت هناك ركائز أخرى مثل رعاية الحريات الدينية.
فلنحترم الحق العالمي الدستوري الشرعي للناس في التعبد وفق رأي مرجعيتهم الدينية، ولنتصدى للأطماع التوسعية للاستعمار الحزبي على حساب مكانة مراجع الدين العظام في قلوب المؤمنين... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».
[email protected]