من المفارقات التي شهدها ويشهدها العالم تلك السياسة الأميركية التي لا تستطيع الاقدام على أيّ خطوة بناءة في الشرق الاوسط. اللهمّ إلّا اذا استثنينا عددا قليلا من الحالات التي لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد... وذلك منذ اجبار إدارة دوايت ايزنهاور بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على الانسحاب من السويس وتسليم القناة الى مصر بعد صدور قرار التأميم في العام 1956.
تذهب ضحية مثل هذه السياسة دول صغيرة مثل لبنان متروك منذ نصف قرن لقدره. كان كافيا تفجير مقر «المارينز»، قرب مطار بيروت، في 23 أكتوبر 1983 كي يولي العسكر الاميركيون الادبار. اسّس الانسحاب الاميركي من لبنان للوضع القائم اليوم حيث البلد مهدّد بان يكون تحت السيطرة الكاملة لحزب مذهبي مسلّح ينفّذ ما تطلبه منه ايران ليس الّا.
إذا وضعنا جانباً حرب تحرير الكويت في الشهر الثاني من العام 1991، نكتشف ان الإدارات الأميركية المتلاحقة لم تتابع أي عملية سياسية او عسكرية باشرتها في الشرق الاوسط. اكتشف حلفاء الولايات المتحدة انّ ليس في استطاعتهم الاتكال عليها باي شكل. اكتشف هؤلاء انّ ليس معروفا، متى يمكن للقوّة العظمى الوحيدة في العالم، ان تتخلى عنهم في ليلة ليس فيها ضوء قمر.
احدى المفارقات التي تثير الاستغراب وتطرح الكثير من الأسئلة، لماذا كان ذلك الإصرار الاميركي في عهد جورج الابن على احتلال العراق من دون امتلاك خطّة واضحة لمرحلة ما بعد سقوط نظام صدّام حسين. حسناً، هناك الف مبرّر ومبرّر لاسقاط النظام، الذي يترحّم عليه حاليا عراقيون كثيرون. من بين هذه الأسباب تعاطيه مع العراقيين واحتلال الكويت من دون مبرّر ومن دون اخذ في الاعتبار للموازين الدولية والاقليمية القائمة.
في كلّ الأحوال، هناك حاليا، في ضوء الحيرة الأميركية حيال كيفية التعاطي مع كوريا الشمالية، تفسير جديد لذهاب بوش الابن وادارته الى النهاية في اجتياح العراق. يتلخّص هذا التفسير بانّ العراق لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل، على العكس مما ادعته واشنطن ولندن في حينه. اما كوريا الشمالية التي يحكمها شخص، اسمه كيم جونغ اون، اقلّ ما يمكن ان يوصف به انّه موتور، فهي موضع مهابة أميركية. هذا عائد بكلّ بساطة الى انّها تمتلك بالفعل أسلحة الدمار الشامل التي تتاجر بها مع كلّ الانظمة التي على شاكلتها في ظل سكوت عالمي عموما واميركي خصوصا.
هل سيختلف دونالد ترامب في شيء عن اسلافه، خصوصا عن بيل كلينتون الذي اعتقد انّه وضع حدا للبرنامج النووي الكوري الشمالي، وعن باراك أوباما الذي كان يظنّ انّه حقق إنجازا ضخما بتوصله الى اتفاق في شأن الملفّ النووي الايراني؟ هذا الملفّ ما كان ممكنا ان يكون له وجود لولا دولة اسمها كوريا الشمالية التي ليست بعيدا أيضا عن حصول نظام الأسد (الاب والابن) على السلاح الكيميائي وتخزينه من اجل استخدامه في الحرب التي يشنّها هذا النظام على الشعب السوري.
يكشف الموقف الاميركي من كوريا الشمالية نقاط ضعف السياسة الأميركية. بدأت نقاط الضعف هذه تتبلور في عهد جيمي كارتر الذي وقف مكتوفا عندما احتجز «طلّاب» ايرانيون موظفي السفارة الأميركية وديبلوماسييها في طهران في نوفمبر من العام 1979. بقي الديبلوماسيون والموظفون محتجزين طوال 444 يوماً. كان ذلك دليلا على ان الولايات المتحدة «نمر من ورق» كما وصفها الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، ليكتشف ماو في مرحلة لاحقة ان ليس امام الصين سوى الانفتاح على العالم واعتماد اقتصاد السوق في حال كانت تتطلع الى تقدّم شعبها. تبيّن في مرحلة ما بعد ماو ان الصين نفسها «نمر من ورق» في حال لم تسر في ركب الاقتصاد الغربي بعيدا عن كلّ التنظير السياسي والاقتصادي وما له علاقة بماو نفسه وماركس ولينين.
وضع كارتر الأسس لسياسة أميركية أدت الى التخلي عن لبنان. ثمّة من سيقول ان لبنان ليس بلدا مهما وانّ في الإمكان الاستغناء عنه مقارنة بسورية والعراق على وجه التحديد. ولكن لماذا هرب رونالد ريغان من لبنان في وقت كان يخوض فيه حربا حقيقية على الاتحاد السوفياتي ما لبث ان انتصر فيها. هل لانّه عقد صفقة مع ايران - الخميني سمحت له بالوصول الى الرئاسة؟
لولا تلك الصفقة، التي كانت تقضي بعدم الافراج عن رهائن السفارة الأميركية قبل يوم اجراء الانتخابات الرئاسية، لكان كارتر فاز بولاية ثانية بدل ان يهزمه ريغان. دفع لبنان ثمن العلاقة بين ريغان وايران ودفع أخيرا ثمن سعي أوباما الى استرضاء ايران في مرحلة ما قبل توقيع الاتفاق في شأن برنامجها النووي. لم يدفع لبنان وحده الثمن. دفعه أيضا السوريون الذين رأوا أوباما يتراجع عن تهديداته لبشار الأسد، في حال استخدامه السلاح الكيميائي في حربه على ابناء شعبه. كان ذلك صيف العام 2013.
لم تهاجم اميركا صدّام حسين إلّا بعدما تأكدت من انّه لا يمتلك أسلحة الدمار الشامل وانّه مجرّد رئيس من العالم الثالث لا يعرف شيئا لا عمّا يدور في الشرق الاوسط ولا عمّا يدور في العالم. تكمن المشكلة الرئيسية لصدّام في انّه لم يدرك في حينه، أي عندما اقدم على خطوة غزو الكويت صيف العام 1990، ان الاتحاد السوفياتي لم يعد موجودا الّا بالاسم وانّ ليس في استطاعته اللعب على ورقة التناقضات العالمية والمنافسة بين القوتين العظميين، خصوصا بعد سقوط جدار برلين في خريف العام 1989. لم يعرف من هو حقيقة يفغيني بريماكوف الذي جاء يتفاوض معه باسم الاتحاد السوفياتي من اجل إيجاد مخرج للعراق من الكويت.
ستتوقف أمور كثيرة على ما سيفعله ترامب مع كوريا الشمالية. هل هو رئيس قوي بالفعل ام لا؟ هل هو قادر على ان يكون مختلفا عن باراك اوباما الذي انسحب عسكريا من العراق في العام 2010 مستكملا تسليم العراق الى ايران؟
انتهت الحرب الأميركية على العراق في 2003 بمنتصر واحد هو ايران. ليست ايران سوى اقرب الحلفاء لكوريا الشمالية التي تستخدمها الصين في عملية ابتزاز للولايات المتحدة. مصدر معظم ما تستعرضه ايران من صواريخ هو كوريا الشمالية ولا احد آخر. تستعرض ايران ايضا ميليشياتها المذهبية في العراق وسوريا ولبنان حيث الجيش الوطني الذي يدعمه الاميركيون.
اذا واجهت إدارة ترامب كوريا الشمالية، سيتعلّم كثيرون من الدرس. اذا لم تفعل ذلك، فالويل للذين راهنوا على ان اميركا ستعود اميركا يوما، كما في ايّام ايزنهاور او عهد بوش الاب. ليس لبنان الصغير سوى ضحيّة من ضحايا سياسة أميركية متردّدة لا علاقة لها بالمبادئ من قريب او بعيد كان افضل من عبّر عنها باراك أوباما الذي اختزل الشرق الاوسط والخليج بالملفّ النووي الايراني. هل يأتي ترامب بشيء مختلف. سيكون الامتحان الفاصل لترامب، الى إشعار آخر، في كوريا الشمالية وليس في أي مكان آخر.