أثناء دراستي للحصول على درجة الدكتوراه، وفي أحد اجتماعات مدير وحدة أبحاث أنظمة الطاقة (ESRU) البروفيسور جو كلارك مع الباحثين العلميين - من موظفين وطلبة الدكتوراه - في الوحدة، أبلغنا البروفيسور أنه وقع عقد بحث جديد مع مؤسسة بحثية تابعة للاتحاد الأوروبي، ضامناً بذلك الاستقرار الوظيفي للعاملين في الوحدة ورواتبهم للسنوات الثلاث التالية.
علمت لاحقاً أن الجامعات الحكومية البريطانية تقيّم الجدوى الاقتصادية من توظيف أكاديمييها من المدرسين والباحثين، وفق نظام محاسبي يرصد مساهمات كل منهم في زيادة المداخيل المالية للجامعة. فيقيّد في سجله الاكاديمي نسبة محددة من رسوم تسجيل الطلبة الذين يدرسهم، ونسبة معلومة من قيمة كل عقد - بحثي أو استشاري أو مرتبط بالابتكارات وبراءات الاختراع - وفق درجة انشغاله بتنفيذ أعمال العقد.
مثل هذه الأنظمة للتقييم المالي المستمر، متى ما اقترنت بآليات لمراقبة الجودة الأكاديمية، تحفّز الأكاديميين على متابعة مستجدات سوق العمل، من أجل معرفة احتياجاته البحثية والاستشارية، ثم المبادرة في تلبيتها من خلال عقود تجلب الاموال إلى الجامعة، فتزيد امكاناتها البحثية وإنتاجها العلمي. ولعل الطلبة - وتباعا سوق العمل - من أبرز المستفيدين من هذه التنمية المستمرة في معارف ومهارات أكاديميي الجامعات.
إلى جانب الدعم الحكومي، هناك عدد كبير من مصادر الدخل لدى الجامعات الحكومية في المملكة المتحدة. ويمكن تصنيف هذه المصادر ضمن ثلاث مجموعات: الأولى تحتضن رسوم الدراسة، بفئاتها المتعددة وفق جنسية الطالب وتخصصه الأكاديمي، إلى جانب دعم حكومي بنسبة غالبا لا تتجاوز 20 في المئة من اجمالي ايرادات هذه المجموعة.
وبالنسبة للمجموعة الثانية، فهي خاصة بتمويل الأبحاث، وتشتمل مساهمات الشركات البريطانية والمؤسسات التابعة للاتحاد الاوروبي وغير التابعة للاتحاد، فضلا عن الدعم الحكومي الذي يمثل قرابة ثلثي اجمالي تمويل الابحاث. وأما المجموعة الأخيرة، فهي متعلقة بالتمويل الخاص بالابتكارات لمصلحة القطاع العام الحكومي والقطاع الخاص الربحي والقطاع الثالث (غير الحكومي غير الربحي)، من أجل دعم التنمية على الصعيدين المحلي والوطني.
الملاحظ أن العلاقة المالية بين الجامعات الحكومية والجهات الممولة لها صممت بصورة تشجع الجامعات على التميز. فعلى سبيل المثال، نجد أن مقدار الدعم الحكومي لأي جامعة مرتبط بتصنيفها وفق كفاءتها في التدريس والنشاط البحثي، كل على حدة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الكثير من الطلبة غير المحليين، وبالأخص طلبة دول الاتحاد الأوروبي، الذين يسعون للدراسة في الجامعات الافضل في قوائم الجامعات الأكثر تميزا على المستوى الأوروبي والدولي.
والحالة المحفزة للتميز حاضرة أيضاً في العلاقة بين الحكومة البريطانية وطلبة الجامعات البريطانيين، حيث استجابة الحكومة لتوصية جاءت في «تقرير ديرينغ» طالبت بأن يساهم الطلاب في تكاليف دراستهم الجامعية، حيث استحدثت في عام 1998 رسوم دراسية بواقع 1000 جنيه إسترليني، أعفي عنها أبناء الأسر محدودة الدخل، ثم تضاعفت في السنوات اللاحقة مع توفير قروض للطلبة - بفوائد منخفضة - تدفع أقساطها بعد التوظيف بآلية مقاربة لآلية دفع اقساط قرض الرعاية السكنية في الكويت. وكذلك تم إلغاء مكافآت الطلبة، واستبدلت بقروض مشابهة لقروض الرسوم الدراسية. هذه الاصلاحات المالية في رسوم الدراسة والمكافآت، مرت بصعوبة بالغة عبر البرلمان، ولكنها عززت الجدّية والمثابرة لدى الطلاب، وتباعا جودة الجامعات والخريجين.
وأيضا سوق العمل البريطاني له دور محصن ومحسن لجودة التعليم الجامعي، حيث إن الخريج لن يتمكن من التوظيف ما لم يدعم شهادته الاكاديمية بالمعارف والمهارات المقترنة بتخصصه، لذلك يبحث الطالب عن الجامعة التي تؤهله لا التي تهبه شهادة أكاديمية غير مستحقة.
محلياً، بلغني قبل أسابيع أن وكيل وزارة الكهرباء والماء المهندس محمد بوشهري، أصدر قرارا فرض من خلاله تقييم المتقدمين للتعيين أكاديمياً قبل البت في طلبات توظيفهم. ورغم أن هذا القرار مرفوض من قبل الكثير من المواطنين، إلا أنه خطوة مهمة من سوق العمل تجاه تقويم التعليم العالي الكويتي.
ورغم علمي أن هذه الخطوة الاصلاحية غير كافية من دون التزام بالجودة الأكاديمية من قبل بقية الجهات المعنية بالتعليم العالي، إلا انها ذات ايجابيات متعددة، منها تعديل نظرة الطلبة للتعليم العالي، وتباعاً استقالة أو تقاعد الأكاديميين من حملة الشهادات الكرتونية الذين ستكثر شكاوى الطلبة ضدهم. لذلك أناشد مجلس الوزراء الموقر أن يتبنى استراتيجية بوشهري مع المتقدمين للتعيين في جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية، حتى يحرص طلبتنا على تنمية ذواتهم بنفس درجة حرصهم على امتلاك شهادات أكاديمية... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».
[email protected]