رؤية ورأي

بكالوريوس للمشاريع الصغيرة والمتوسطة

تصغير
تكبير
تتسابق العديد من الجامعات الغربية في تعظيم شراكتها مع قطاعات سوق العمل الحيوية على المستويين الوطني والإقليمي، ومن بين أهمها ما يعرف بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، حيث إن هناك قنوات عدة للتنسيق والتعاون بين تلك الجامعات وبين مؤسسات وشركات المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتأتي في مقدمتها مراكز في الجامعات لدعم تلك المؤسسات والشركات.

تقدم مراكز الدعم خدمات مختلفة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وعلى مدى مراحلها المختلفة. في المرحلة المبكرة من المشاريع، نجد أن هذه المراكز تستثمر المعارف العلمية والتكنولوجية والمقدرات البشرية والمختبرية المتراكمة في الجامعات من أجل بحث واقتراح خيارات مبتكرة لتوفير أو تحسين منتج أو خدمة. كما أن هذه المراكز تساعد تلك المشاريع في تنمية أعمالها التجارية أو استراتيجيتها الخاصة بالتسويق، وقد يمتد التعاون بينها إلى بناء النماذج الأولية لمنتجاتها المقترحة. وكذلك على مستوى طلبة الجامعات، تشجع هذه المراكز ممثلي تلك المشاريع على الاستعانة بالطلبة الموهوبين للعمل مع الفريق المنفذ للخدمات المطلوبة من المراكز، كما أنها ترشح الخريجين المتميزين للعمل في مؤسساتهم وشركاتهم.


على الضفة الأكاديمية، توظف بعض الجامعات هذه المراكز ضمن عملياتها وإجراءاتها المتواصلة لاستحداث برامج أكاديمية أو تطويرها، وقد تكون أهمها تلك المرتبطة بمرحلة تحديد أو تحديث الأهداف التعليمية للبرنامج وفق حاجة سوق عمل المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وحيث إن طبيعة المشاريع الهندسية متعددة المجالات، وبسبب قلة عدد العاملين في المشاريع الصغيرة - بشكل خاص - والمتوسطة - إلى حد ما - مقارنة بالمشاريع العملاقة، تلمست الجامعات حاجة سوق عمل المشاريع الصغيرة والمتوسطة إلى مهندسين متعددي التخصص.

لذلك سارعت تلك الجامعات إلى توفير برامج أكاديمية هندسية تضم تخصصين عبر مسارات عدة قد تمتد مدة الدراسة فيها إلى خمس سنوات ونصف السنة، يحصل خريجو البرامج على شهادتين بكالوريوس، أو على درجة بكالوريوس أو ماجستير في تخصص يضم المجالين الأكاديميين، حسب عدد الوحدات الدراسية المطلوبة.

فعلى سبيل المثال، أمام الطلبة الراغبين في دراسة الهندسة الميكانيكية خيارات عدة من البرامج الأكاديمية الثنائية المجال إلى جانب البرنامج الأحادي المعروف. فيمكنهم الالتحاق ببرامج تضم الهندسة الميكانيكية إلى جانب تخصص هندسي آخر كهندسة الكهرباء أو هندسة المواد، أو القيد في برامج تجمع بين الهندسة الميكانيكية وتخصص في العلوم الانسانية كإدارة الأعمال أو الاقتصاد.

في الكويت تم انشاء الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، برأس مالي قدره مليارا دينار كويتي، وفق القانون الرقم 98 لعام 2013 من أجل دعم الشباب ومحاربة البطالة - الظاهرة والمقنعة - وتمكين القطاع الخاص من المشاركة في تحقيق النمو الاقتصادي في دولة الكويت. ورغم البرنامج التدريبي المكثف حول ريادة الأعمال الذي نظمه الصندوق 31 مرة - حتى اليوم - من أجل مساعدة المبادرين على تحويل أفكارهم إلى مشاريع تجارية صغيرة أو متوسطة، إلا أن الخلفية الأكاديمية للمبادرين عنصر أساس في نجاح تلك المشاريع. لذلك أناشد الإدارة العليا في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب وعمادة كلية الدراسات التكنولوجية استحداث برامج بكالوريوس تكنولوجية تلبي احتياجات التنمية وتوفر القوى العاملة الوطنية لمواجهة القصور في القوى العاملة الفنية الوطنية المطلوبة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

هناك حاجة ماسة لإعداد مبادرين تكنولوجيين لتنشيط مثل هذه المشاريع من خلال برامج بكالوريوس تطبيقية تشمل الجوانب الهندسية والإدارية والاقتصادية المتعلقة بالأنشطة المتاحة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة. وسأقتصر في هذا المقال بعرض مثالين مرتبطين بتكنولوجيا الهندسة الميكانيكية أحدهما تقليدي والآخر حديث.

على المستوى التقليدي، هناك حاجة لإعداد خريجين قادرين على العمل في إدارة «كراجات» وورش أعمال حدادة وميكانيكا وكهرباء السيارات بل حتى القوارب واليخوت. لذلك بإمكان كلية الدراسات التكنولوجية تلبية تلك الحاجة من خلال استحداث برنامج بكالوريوس يمزج بين برامج دبلوم الهندسة الميكانيكية المتاحة لديها مع جرعات مناسبة من العلوم الإدارية. وتجدر الاشارة إلى أن الكلية تمتلك المختبرات والورش اللازمة للبرنامج المقترح استحداثه.

المثال الآخر خاص باستحداث برامج بكالوريوس لتلبية احتياجات انشاء مكاتب تدقيق الطاقة في المباني التي سيزيد الطلب على خدماتها مع ارتفاع تسعيرة استهلاك الكهرباء، وتنامي الوعي البيئي وبالأخص حول علاقة انتاج الكهرباء في الكويت وظاهرة الاحتباس الحراري، وتزايد الضغوط الدولية لتقليل انبعاث الغازات الدفيئة. علما بأن البحوث والدراسات العلمية أكدت أنه يمكن تقليل استهلاك الكهرباء في المباني الكويتية بنسبة تقارب 30 في المئة من دون المساس براحة شاغلي المباني. خدمات تدقيق الطاقة لا تقتصر على مرحلة تصميم وبناء المباني، لأنها يفترض أن تستمر مع استغلال المبنى تماما كما تستمر العلاقة بين مكاتب التدقيق المحاسبي المالي مع الشركات التجارية.

المشاريع الصغيرة والمتوسطة خيار استراتيجي بل ضرورة اقتصادية للتخفيف من هشاشة الاقتصاد الكويتي الناتجة من اعتماده بشكل كبير على مصدر دخل واحد. وأمام كلية الدراسات التكنولوجية المسؤولية الأكبر - مقارنة بالجهات الأكاديمية الأخرى - لتلبية هذه الحاجة التنموية. لذلك أجدد مناشدتي لمجلس إدارة التطبيقي باتخاذ قرار مبدئي في شأن استحداث برامج بكالوريوس تكنولوجية لتغطية حاجة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومناشدة أخرى بإنشاء مركز دعم تلك المشاريع... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي