نعم...
العنوان سليم وليس به ثمة خطأ مطبعي...
وللتأكيد... فالحديث هنا هو عن التقويم الميلادي بالمناسبة، وليس الهجري!
ونكرر...
هل نحن مستعدون للعام 1455؟!
لنفهم المعنى من السؤال أعلاه، سنعرج على قصة قد تبدو لا علاقة لها بموضوعنا، ولكنها وعلى العكس، شديدة الاتصال به!
ولد مارتن لوثر في المانيا في العام 1483، وكان راهبا كاثوليكيا ذا عقل متسائل، أدت مراجعاته للممارسات الكنسية في عصره وأهمها صكوك الغفران إلى إطلاق أكبر عملية إصلاح - أو انقسام - في العالم المسيحي بعد الانقسام بين كنائس الشرق والغرب. فقد كتب نقداً مطولا من 95 مسألة يعرض فيها ما يراه من خلل في المنظومة المسيحية بصيغتها الكاثوليكية، كما وقام بعمل أول ترجمة للكتاب المقدس من اللاتينية للغة الألمانية، سالباً رجال الدين من أحد أسباب قوتهم باعتبارهم النخبة الناطقة باللاتينية في جميع المجتمعات الأوروبية، وبالتالي الوحيدين - تقريباً - القادرين على قراءة النص الديني وتفسيره. وأسست أعمال لوثر هذه وغيرها لظهور مذهب مسيحي يعرف بالبروتستانتية والذي يعتبر ثاني أكثر المذاهب المسيحية انتشارا بعد الكاثوليكية، ولا تزال أفكاره مصدراً للإلهام لمتبعيه وكثيرين غيرهم منذ ما يربو على خمسة قرون.
ما يلفت النظر حقا في موضوع مارتن لوثر، هو أنه لم يكن أول ناقد للممارسات الكاثوليكية، بل وبعض المؤرخين قد يجادل في أن لوثر لم يكن الناقد الأكثر عمقا للمسيحية الكاثوليكية، وعند إدراكنا لهذا يقفز سؤال لا يستطيع الانتظار:
إذاً ما هو سبب نجاح مارتن لوثر في حركته الإصلاحية وانتشار أفكاره هو دون غيره من المصلحين الذين سبقوه؟
هنا نرجع بالزمن قليلا للعام 1455... أي قبل ولادة لوثر بما يقارب العقود الثلاثة.
في هذا العام وقع حدث يعتبر بالنسبة إلى الكثيرين من المؤرخين، أحد أكثر منعطفات التاريخ تأثيراً في مسار البشرية، وهو اختراع الطابعة، والتي أدت لتزايد عدد نسخ الكتب وبأثمان أقل مما جعلها في متناول القارئ العادي، وهو الأمر الذي خدم دعوة لوثر الإصلاحية وأدى لانتشار أفكاره بسرعة فائقة وبين قطاعات كبيرة من الأوروبيين بمختلف طبقاتهم وخلفياتهم. كل هذا حدث في ظل حالة من العجز لدى المؤسسة الدينية التقليدية والتي لم تكن مستعدة للتعامل مع متغيرات الأوضاع، فحاولت ترهيب الناس من اقتفاء أثر لوثر، تارة باستخدام سلاح التكفير والإخراج من الملة، وأخرى بمحاولة حجب كتبه، وكل هذا باء بالفشل الذريع!
حسناً... ما علاقة هذا كله بالسؤال الوارد في عنوان المقال؟
في الحقيقة، فإن العالم العربي والإسلامي قد يكون يعيش ظرفاً مشابهاً للعالم المسيحي إبان نهضة - أو تمرد - مارتن لوثر، فثورة التكنولوجيا الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي وأهمها «اليوتيوب» بالطبع، فتحت الباب على مصراعيه لنقدٍ لم نعتد عليه لجميع المسلمات في قناعاتنا وأفكارنا. نقد متعلق بمنظوماتنا الدينية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية وغير هذا كله. كل هذا يحدث بالتزامن مع ما يشبه العجز المريع للمؤسسات الدينية والتي تحتل موقع الصدارة في تشكيل قناعاتنا منذ مدة ليست بالقصيرة. عجز عن التعامل الجاد مع خطورة - وفي الكثير من الأحيان قوة - النقد الموجه لأفكارنا ومنظوماتنا الفكرية، فلا نرى في الغالب إلا خطاباً نرجسياً متعالياً عن الواقع، متحاملاً على الفكر المخالف ومهيجاً ضده، مع دعوات لسجن المفكرين... أو إعدامهم!
إن كل هذا الانفعال السلبي ضد الأفكار الناقدة، والتي ما عادت أساليب كالرقابة والمنع بقادرة على قمعها، لن يأتي بنتيجة، بل لعله يضعف من حجة من يتبناه في هذا العصر المختلف تماما. عصر يسألني فيه ابني ذو الأربعة عشر عاماً أسئلة لم أجرؤ على مواجهة والدي بها حتى رحل عن دنيانا...!
لذلك نسأل: هل نحن مستعدون للتعامل مع هذا العصر بأدواته وبمنطقه؟
و... هل نحن مستعدون للعام 1455؟!
[email protected]Twitter: @dralkhadhari