يعتبر برنامج ميكانيكا القوى المحركة، أحد البرامج المعتمدة أكاديميا - من قبل مجلس الاعتماد للهندسة والتكنولوجيا (ABET) - في كلية الدراسات التكنولوجية. والتزاما من قسم تكنولوجيا ميكانيكا القوى والتبريد بمتطلبات «أبت»، شكّل القسم - بالتنسيق مع عمادة الكلية - المجلس الاستشاري الصناعي (IAB) للبرنامج من أجل تعزيز الشراكة بين القسم العلمي وسوق عمل خريجيه. فللمجلس دور محوري في عملية التطوير المستمر للبرنامج، حيث إن من بين مهامه تقديم معلومات في شأن أحدث الاتجاهات في سوق العمل، والمساهمة في قياس جودة البرنامج وكفاءة خرّيجيه.
منهجية «أبت» للاعتماد الأكاديمي مبنية على تحديد الأهداف التعليمية للبرنامج (Educational Objectives) وفق حاجة سوق العمل. وهي تمثل القدرات المعرفية والفنية الرئيسة، والسمات الشخصية المطلوب توافرها في الموظف بعد مرور ما يزيد على ثلاث سنوات من تاريخ تعيينه. وبعد الاتفاق على قائمة الأهداف التعليمية للبرنامج، يتم استنباط القدرات الادراكية والحركية والوجدانية الواجب توافرها في خريج البرنامج (Student Outcomes)، وهي في مجملها مزيج من المهارات الملموسة (Hard Skills) وغير الملموسة (Soft Skills).
المهارات الملموسة هي قدرات واضحة - متفق عليها - يمكن تعليمها وقياسها، وفي المقابل المهارات غير الملموسة يصعب قياسها كمّيا. من منظور آخر، المهارات الملموسة مرتبطة بالتعليم الادراكي المعرفي والتدريب الحركي في مجال التخصص، في حين المهارات غير الملموسة متعلقة بالسمات الشخصية ومهارات التواصل والتعامل مع الآخرين.
من الأمثلة على المهارات الملموسة في برنامج ميكانيكا القوى المحركة، اختيار المضخة المناسبة لأي شبكة مياه، وتحديد الأعطال فيها ثم صيانتها، وفكّها ثم إعادة تجميعها بعد استبدال القطع التالفة فيها. في الطرف الآخر، أمثلة المهارات النوعية تتضمن: العمل ضمن فريق والالتزام بأخلاقيات المهنة والقدرة على الانخراط في التنمية التقنية الذاتية.
بالرغم من أن أسواق العمل تحرص على تقييم المهارات الملموسة وغير الملموسة لدى المتقدمين للعمل لديها، وقد تطغى أهمية غير الملموسة لدى بعض قطاعات العمل، إلا أن معظم ساعات الاتصال بالطلبة - في البرامج الأكاديمية - مخصصة لتنمية مهاراتهم الملموسة. وهذه الملحوظة ليست مقتصرة على برنامج ميكانيكا القوى المحركة في كلية الدراسات التكنولوجية، بل انها موجودة في جميع برامج الهندسة التكنولوجية وإن كانت بنسب متفاوتة.
أرى أن هناك حاجة لمعالجة النقص في جرعة المهارات غير الملموسة، وإن كان ذلك خارج ساعات الاتصال الرسمية بالطلبة. ولذلك، أحيانا أشجع طلبتي على انجاز مشاريع صغيرة جداً - غير مكلفة مالياً - من خلال فرق هم يشكلونها، مقابل درجات إضافية. فعلى سبيل المثال، اتفقت مع طلبتي في الفصل الدراسي الحالي، على اعداد مقاطع فيديو قصيرة - لا تتعدى ثلاث دقائق - يتضمن كل منها على رسالة تقنية مرتبطة بالمقرر الدراسي.
لا شك، أن اعداد المقاطع سوف ينمي مهاراتهم غير الملموسة، لأنه يستلزم التعاون والتنسيق الداخلي بين أعضاء كل فريق، وفق جدول زمني يحددونه ويلتزمون به. ويتضمن أيضا انخراط بعضهم في تنمية قدراتهم بشكل ذاتي، للتعامل مع برمجيات انتاج مقاطع فيديو، على سبيل المثال. كما آمل أن يساهم هذا المشروع في دفعهم نحو المزيد من مشاريع التطوع لخدمة المجتمع. كذلك أجدها فرصة لهم لتعزيز التزامهم بالأمانة - وهي من اخلاقيات المهن الهندسية وغير الهندسية - فيعدون المقاطع بجهودهم الشخصية من دون اللجوء إلى مراكز خدمة الطالب.
لا يخفى على أحد أن سوق العمل الكويتي يعاني من البطالة المقنعة منذ سنين طويلة في العديد من قطاعاته، وأن تعيين الحكومة لمعظم الخريجين، دوافعه سياسية غير مرتبطة بحاجة المجتمع أو دورة الاقتصاد الوطني. بل إن التزام الحكومة بتوفير مقاعد لخريجي الثانوية في المعاهد والكليات والجامعات، الحكومية والخاصة، المحلية والخارجية – في غالبه - لأسباب سياسية وغير مرتبط بالحاجة الفعلية لسوق العمل.
لذلك يفترض أن تسعى مؤسسات التعليم العالي من أجل مضاعفة قدرة سوق العمل على خلق فرص عمل حقيقية، وأيضا من أجل تنمية المجتمع. فعلى سبيل المثال، الخريجون الجدد يجب أن يمتلكوا مهارات تمكنهم من إنشاء مشروعات صغيرة ومتوسطة، وهذا بدوره قد يتطلب ايفاد اكاديميين في بعض التخصصات إلى الدول الرائدة المتميزة بخبرتها في المشاريع الصغيرة والمتوسطة كاليابان والصين وسنغافورة، وهذا يستحق أن يتم تناوله في مقال مستقل.
وأما بالنسبة لتنمية المجتمع، أدعو مؤسسات التعليم العالي إلى زيادة جرعاتها المخصصة للمهارات غير الملموسة، كتلك التي أشرت لها في المقال، والأخريات المسجلة في وثائق «أبت» مثل التفاعل بشكل إيجابي مع التنوع في الدين والثقافة والرأي. ورغم أن المنشود من تلك المهارات غير الملموسة هو تحسين بيئة العمل، إلا أن لها تبعات ايجابية على المجتمع أيضا، كأن يكتسب مجتمعنا الفسيفسائي مناعة أبدية من عدوى الفتن الطائفية المزمنة... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».
[email protected]