اعتبر فقهاء الإسلام، أمن الدولة من واجبات الإمام ومهامه الأساسية، حتى يتحقق الأمن ويأمن الناس على أرواحهم وأموالهم وسائر حقوقهم، ولا يتم ذلك إلا بوجود رأس يدبر شؤون الأمة، حيث إن من طبائع الناس حصول الاختلاف بينهم ووقوع التنازع الذي يؤدي إلى المشاحنات والحروب، وإلى الهرج وسفك الدماء والفوضى بل إلى الهلاك والخوف إذا تركوا من دون رأس أو نظام.
وفي الآونة الأخيرة، برز موضوع الأمن القومي الذي ارتبط ارتباطا عضويا وثيقا بالأمن الإقليمي والعربي. وهكذا وجدنا دول الربيع العربي، عندما ثارت على حكامها انفرط عقد الأمور وحلت الفوضى وسالت الدماء، وتدخلت الدول الكبرى لمصالحها فاتسع الخرق على الراقع وتعقدت الأمور عند الثوار!
لذا نجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يعتبر اتخاذ الإمارة ديناً وقربةً يتقرب بها إلى الله، وهي من أعظم واجبات الدين؛ بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها. ويحدد الماوردي واجبات الإمام التي يتحقق بها أمن الدولة وقوامها 10 أمور أذكر منها ثلاثاً، وهي:
1 - حفظ الدين على أصوله المستقرة: وبحفظ الدين على أصوله التي استقر عليها، وهي الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، يتم الأمن ويتحقق الاستقرار وينغلق باب البدعة والانحراف عن الدين، سواء كان هذا الانحراف ناشئاً عن إفراط ـ وهو الغلو ـ ونعني به التطرف والتكفير وهجر المجتمعات والانعزال عن الناس، أو كان تفريطاً ـ وهو التساهل المؤدي إلى ضياع الدين ـ وهذا التساهل ينشأ عنه الاستهانة بالحرمات وترك الواجبات وما ينشأ عن ذلك من جرائم الزنى والاغتصاب والسرقة والقتل والاعتداء على الحرمات.
2 - تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين: وهذا أيضاً من واجبات الإمام، وهو أيضاً ركن أساسي من أركان الأمن القومي الداخلي، حيث بتنفيذ الأحكام بين المتشاجرين قطع مادة الشر ورد الحقوق إلى أصحابها، وبعدم تنفيذ الأحكام لا تطمئن النفوس ولا تستقر أحكام القضاء، لأن حكم القاضي لا يتم على الوجه الأكمل إلا بتنفيذ الحكم، فلو اعتمدت الدولة على هذا المبدأ وهو الصرامة في تنفيذ الأحكام، لحصل الأمن وانقطع الشر في قضايا الخلاف والأحوال الشخصية وقضايا الأموال والقضايا الأمنية. قال تعالى: «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون» سورة البقرة 179، ولعل بلمحة سريعة لإحصائيات وزارة العدل للقضايا التي لم يتم تنفيذها إلى الآن، يتبين لنا المقصود.
وأمر آخر ينبغي أن يتنبه له، وهو أن لا تكون هناك محاباة في القضاء، فلا يراعى الشريف لشرفه، ولا القريب لقربه. قال صلى الله عليه وسلم: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» رواه مسلم، وهذا الدستور الإلهي لو قام به المسؤولون لحصل لهم الأمن وزال الخوف والهم عن المجتمع.
3 - حماية البيضة: والمعنى المحافظة على الحواضر والبوادي ليتفرغ الناس لمعايشهم ولينتشروا في الطرقات وفي الأسفار آمنين، وحتى يأمن الناس على أموالهم وأنفسهم من التعرض للتغرير أو الهلاك. ومن مهام رأس الدولة دفع أي تهديد أو أضرار داخلية أو خارجية تهدد أمن الوطن.
كما نجد في الوقت نفسه، أن الإسلام شدد في عقوبة المحاربين ونوعها بحسب عظم الجرم، لأن إخافة الناس وترويعهم وقطع الطريق، جريمة لا تستقر معها المجتمعات ولا يتم بها تحصيل المصالح والمنافع، قال تعالى: «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ» سورة المائدة 33. روى الشافعي في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما ـ في قطاع الطريق ـ «إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا أو صلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض». وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: «هذا قول كثير من أهل العلم».