واضح

مقال «الإيدز الإعلامي»

تصغير
تكبير
- من المهام الطبيعية للإعلام - أي إعلام - أن يصور الحادثة أو الواقعة من زاوية معينة ليظهرها كما يريد هو، وتخفي وقتها الكاميرا أو ناقل الخبر زوايا أخرى للواقعة، قد تغير وجهة نظر المتلقي لو رآها! هذه مهمة طبيعية لأي إعلام، مع ان المثاليات وأخلاق المهن تستوجب النقل الكامل «للصورة». ولعل القدر الممتع في كل الثورة الإعلامية يقع في كم هائل من الخيال واقتصار الصورة على جزء بسيط، كما هو حال هذه الافلام والروايات وغيرها مما يستمتع به الناس وهم يعلمون أنه ليس إلا خيالاً واصطناعاً لمشهد أو قصة.

- هذه طبيعة الأداة الإعلامية بكل أنواعها ولعل في بعض «كذبها» متعة للبشرية، إلا أن المشكلة تقع حين تعمل هذه «الطبيعة» في الأخبار السياسية أو الاجتماعية، فالإعلام اليوم بما فيه المواقع التي يسمونها زوراً مواقع التواصل الاجتماعي، ولأننا - كما العادة - نفتقد المهنية في كل شيء، أصبحت هذه الآلة قادرة وبسهولة ان تصور لك الفاسد على أنه أحد رموز الصلاح! والشخص الغبي على أنه أحد خارقي الذكاء! وبالإمكان قلب الحق الى باطل، والعكس صحيح. وذلك كله بزخم معلوماتي ونشر طوفاني، وما هي إلا سويعات حتى تجد ان ما تريده أصبح شبه حقيقة لكثرة نشره وانتشاره!


- قلت في البداية إن هذا «المرض» شيء طبيعي في الإعلام، لأنه لا يمكن بحال السيطرة على هذا الفضاء الرحب، وتبقى المسألة معلقة على الأخلاقيات المهنية وهي بطبيعة الحال غائبة في كل المناحي.

- المشكلة ليست هنا. المشكلة في هذا «الإيدز الإعلامي» الذي يصيب جهاز المناعة الإعلامي عند المجتمعات. الإيدز هو مرض يصيب جهاز المناعة في جسم الإنسان بحيث يفقده مناعته الطبيعية ويغدو الإنسان بلا مناعة، قد يقتله أي فيروس مهما كان بسيطاً... هذا في جسم الإنسان. هناك إيدز يصيب أيضاً عقل وفكر الإنسان، يفقده المناعة، يجعله يتقبل ويتأثر بأي خبر أو صورة أو مشهد من دون ان يكون لديه ما يصد أو يمنع هذا الخبر من الولوج في خلايا عقله وتفكيره، ويبني على هذا الخبر آراءه ومعتقداته في الحياة، إنه إيدز إعلامي بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.

- هنا مكمن المشكلة. المجتمع اليوم على استعداد لتلقي وتلقف أي خبر أو تحليل أو رأي وتصديقه. وعلى أقل حال فان لم يصدقه أو يؤمن به فان كثيراً من الأخبار تجعل المجتمع بحالة تشكك وحيرة من أمره!

- أراهن أصحابي دائماً أن باستطاعتنا، ونحن جلوس تأليف أي إشاعة وبمجرد نشرها انتظروا فقط ساعة أو ساعتين من الزمن ستجدونها كما النار في الهشيم في المجتمع، خاصة إذا كانت متعلقة بالشيء السلبي الذي يفرح به الناس كما فرحهم بالهدية! - لست أدعي أنني أملك الحل لهذه المشكلة والمعضلة، وأعتقد ان هذا المرض الفتاك «الإيدز الإعلامي» أكبر من جهودنا الشخصية. لكنني دائماً أقول: عاملوا الأخبار وما تسمعون أو تشاهدون كما تعاملون النقود! عندما تسترجع الباقي من الثمن من أي بائع فانك تعد نقودك. لا تقبل الممزق من النقود، لا تقبل النقص في الباقي حتى لو كان 100 فلس مثلاً. - أنت لا تقبل النقود الممزقة مهما صغرت حتى لو كان الباقي ربع دينار او دينار. عامل الأخبار وما تسمع كما تعامل النقود. لا تقبل النقص أبداً. ما تشك فيه أعده لصاحبه. الاخبار تؤثر فيك وفي آرائك كما ان الاكل يؤثر في جسمك. هل تقبل ان تأكل ما تشك في نظافته أو صلاحيته؟ الأصل أنك أيضاً لا تقبل أن تدخل عقلك وفكرك ما تشك في صحته وصدقه... «الإيدز الإعلامي» مرض فتّاك نغفل عن محاربته!

@LawyerModalsabti
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي